قال تعالى : وما نُرسل المرسلين إلى الأمم إِلا مبشرين ومنذرين أي : مبشرين للمؤمنين بالثواب، ومنذرين للكافرين بالعقاب، دون إظهار الآيات واقتراح المعجزات، ويُجادل الذين كفروا بالباطل ؛ باقتراح الآيات ؛ كالسؤال عن قصة أصحاب الكهف ونحوها. يفعلون ذلك ليُدْحِضُوا به أي : بالجدال الحقَّ ، أي : يزيلونه عن مركزه ويبطلونه، من إدحاض القدم وهو إزلاقها. وجدالهم : قولهم لرسلهم عليهم السلام : مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ [ يس : ١٥ ]، وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً
[ المؤمنون : ٢٤ ]، ونحوها. واتخذوا آياتي التي تخرّ لها صُمُّ الجبال، وهو القرآن، وما أنذروا أي : وإنذاري لهم، أو : الذي أنذروا به من العذاب والعقاب، هُزُوًا ؛ مهزوءًا به، أو محل استهزاء.
وتصفيتها بصحبة أهل الصفاء، وهم العارفون بالله، ولا تخلو الأرض منهم حتى يأتي أمر الله، وما منع الناس من الإيمان بهم وتصديقهم إلا انتظارهم ظهور كرامتهم، ونزول العذاب على من آذاهم، وهو جهل بطريق الولاية ؛ لأنهم رحمة للعباد، أرسلهم الحق تعالى في كل زمان، يُذكِّرون الناس بالتحذير والتبشير، وبملاطفة الوعظ والتذكير، فاتخذهم الناس وما ذكروا به هزوًا ولعبًا، حيث حادوا عن تذكيرهم، ونفروا عن صحبتهم، فلا أحد أظلم ممن ذُكِّر بالله وبآياته فأعرض واستكبر ونسي ما قدمت يداه من المعاصي والأوزار، سَبَبُ ذلك : جَعْلُ الأكنة على القلوب، وسَفْحُ رَانِ المعاصي والذنوب، فلا يفقهون وعظًا ولا تذكيرًا، ولا يستمعون تحذيرًا ولا تبشيرًا، وإن تدعهم إلى الهدى والرجوع عن طريق الردى، فلن يهتدوا إذًا أبدًا ؛ لِمَا سبق لهم في سابق القضاء، فلولا مغفرته العامة، ورحمته التامة، لعجل لهم العذاب، لكن له وقت معلوم، وأجل محتوم، لا محيد عنه إذا جاء، ولا ملجأ منه ولا منجا. نسأل الله العصمة بمنِّه وكرمه.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي