و ربك : مبتدأ و الغفور : خبره، و ذو الرحمة : خبر بعد خبر، وقيل : الخبر : لو يؤاخذهم ، و الغفور ذو الرحمة : صفتان للمبتدأ، وإيراد المغفرة على جهة المبالغة دون الرحمة ؛ للتنبيه على كثرة الذنوب، وأيضًا : المغفرة ترك المؤاخذة، وهي غير متناهية، والرحمة فعل، وهو متناهي، وتقديم الوصف الأول ؛ لأن التخلية قبل التحلية، و( المُهْلَك ) ؛ بضم الميم وفتح اللام : اسم مصدر، من أهلك، فالمصدر، على هذا، مضاف للمفعول ؛ لأن الفعل متعد، وقرئ بفتح الميم، من هلك، فالمصدر، على هذا، مضاف للفاعل.
وربُّك الغفور : البليغ المغفرة ذو الرحمة الموصوف بها، لو يُؤاخذهم بما كسبوا من المعاصي، التي من جملتها : ما حكي عنهم من مجادلتهم بالباطل، وإعراضهم عن آيات ربهم، وعدم مبالاتهم بما اجترحوا من الموبقات، لعجَّلَ لهم العذابَ قبل يوم القيامة ؛ لاستجلاب أعمالهم لذلك، والمراد : إمهال قريش، مع إفراطهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لهم موعدٌ وهو يوم القيامة، أو يوم بدر، والمعطوف عليه ببل : محذوف، أي : لكنهم ليسوا بمؤاخذين، بل لهم موعدٌ لن يجدوا من دونه موئلاً أي : ملجأ يلتجئون إليه، أو مَنْجىً ينجون به، يقال : وأَلَ : أي : نجا، ووأل إليه : أي : التجأ إليه.
وتصفيتها بصحبة أهل الصفاء، وهم العارفون بالله، ولا تخلو الأرض منهم حتى يأتي أمر الله، وما منع الناس من الإيمان بهم وتصديقهم إلا انتظارهم ظهور كرامتهم، ونزول العذاب على من آذاهم، وهو جهل بطريق الولاية ؛ لأنهم رحمة للعباد، أرسلهم الحق تعالى في كل زمان، يُذكِّرون الناس بالتحذير والتبشير، وبملاطفة الوعظ والتذكير، فاتخذهم الناس وما ذكروا به هزوًا ولعبًا، حيث حادوا عن تذكيرهم، ونفروا عن صحبتهم، فلا أحد أظلم ممن ذُكِّر بالله وبآياته فأعرض واستكبر ونسي ما قدمت يداه من المعاصي والأوزار، سَبَبُ ذلك : جَعْلُ الأكنة على القلوب، وسَفْحُ رَانِ المعاصي والذنوب، فلا يفقهون وعظًا ولا تذكيرًا، ولا يستمعون تحذيرًا ولا تبشيرًا، وإن تدعهم إلى الهدى والرجوع عن طريق الردى، فلن يهتدوا إذًا أبدًا ؛ لِمَا سبق لهم في سابق القضاء، فلولا مغفرته العامة، ورحمته التامة، لعجل لهم العذاب، لكن له وقت معلوم، وأجل محتوم، لا محيد عنه إذا جاء، ولا ملجأ منه ولا منجا. نسأل الله العصمة بمنِّه وكرمه.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي