ﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

ولما كانت قريش تتفوه بشيء من هذه الكلمات، التي شنع الله على من تفوه بها، وكان عليه الصلاة والسلام يتأسف من ذلك، خفف عنه ذلك، وأمره بالتسلي عنهم، فقال :
فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً * إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً
قلت : أسفًا : مفعول من أجله لباخع، أو حال، أي : متأسفًا، وجواب " إن " : محذوف، أي : إن لم يؤمنوا فعلك باخع نفسك.
يقول الحقّ جلّ جلاله : فلعلك يا محمد باخعٌ : مهلك نفسَك وقاتلها بالغم والأسف على تخلف قومك عن الإيمان وفراقهم عنك، على آثارهم إذا تولوا عنك، عندما تدعوهم إلى الله. شبهه، لأجل ما تداخله من الوجد على توليتهم، بمن فارقته أعزته، وهو يتحسر على آثارهم، ويبخع نفسه وجدًا عليهم. إِن لم يُؤمنوا بهذا الحديث أي : القرآن الذي عبّر عنه في صدر السورة بالكتاب، صدر ذلك منك أسفًا أي : بفرط الحزن والتأسف عليهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الخصوصية - من حيث هي - لها بداية ونهاية، فمن شأن أهل بدايتها : الحرص على الخير لهم ولعباد الله، فيتمنون أن الناس كلهم خصوص أو صالحون، فإذا رأوا الناس أعرضوا عنها تأسفوا عليهم، وإذا أقبلوا عليهم فرحوا من أجلهم، زيادة في الهداية لعباد الله، فإذا تمكنوا منها ورسخت أقدامهم فيها، وحصل لهم الفناء الأكبر، لم يحرصوا على شيء، ولم يتأسفوا من فوات شيء، لهم ولغيرهم.
وقد يتوجه العتاب لهم على الحرص في بدايتهم ؛ تكميلاً لهم، وترقية إلى المقام الأكمل.
وقوله تعالى : إنا جعلنا ما على الأرض... الخ، هو حكمة تخلف الناس عن الخصوصية، حتى يتميز الطالب لها من المعرض عنها، فمن أقبل على زينة الدنيا وزهرتها، فاتته الخصوصية، وبقي من عوام الناس، ومن أعرض عنها وعن بهجتها، وتوجه بقلبه إلى الله، كان من المخصوصين بها، المقربين عند الله.
وهذا هو أحسن الأعمال التي اختبر الله به عباده بقوله : لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ، وفي الحديث :" الدنيا مال مَنْ لاَ مَالَ لَه، لَهَا يَجْمَعُ مَنْ لاَ عَقْلَ لَه. وعليها يُعَادِي مَنْ لاَ عِلْمَ عِنْدَه " ١ وفي الزهد والترغيب أحاديث كثيرة مفردة بالتأليف، وبالله التوفيق.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير