المتابعة والاسوة الحسنة (وابتغ بين ذلك سبيلا) وهو اظهار الفرائض بالجماعات فى المساجد وإخفاء النوافل وحدانا فى البيوت (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا) فيكون كمال عنايته وعواطف إحسانه مخصوصا بولده ويحرم عباده معه وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ فيكون ما نعاله من إصابة الخير الى عباده وأوليائه وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ فيكون محتاجا اليه فينعم عليه دون ما استغنى عنه بل أولياؤه الذين آمنوا وجاهدوا فى الله حق جهاده وكبروا الله وعظموه بالمحبة والطلب والعبودية وهو معنى قوله وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً انتهى [علم الهدى فرموده كه حق سبحانه دوست نكيرد تا بمدد ايشان از دل بعز رسد بلكه دوست كيرد تا بلطف وى از حضيض مذلت تا باوج عزت ترقى كند] كما قال الله تعالى اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وهذه الولاية عامة مشتركة بين جميع المؤمنين وترقيهم من الجهل الى العلم وقال تعالى أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وهذه الولاية خاصة بالواصلين الى الله من اهل السلوك وترقيهم من العلم الى العين ومن العين الى الحق قال فى شرح الحكم العطائية ان عباد الله المخلصين قسمان قوم أقامهم الحق لخدمته وهم العباد والزهاد واهل الأعمال والأوراد وقوم خصهم بمحبته وهم اهل المحبة والوداد والصفاء واتباع المراد وكل فى خدمته وتحت طاعته وحرمته إذ كلهم قاصد وجهه ومتوجه اليه قال الله تعالى كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وهذا عام فى كل طريق وظاهر فى كل فريق وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً فيحجر او يحصر فى نوع واحد او صفة واحدة وقد قال يحيى بن معاذ رضى الله عنه الزاهد صيد الحق من الدنيا والعارف صيد الحق من الجنة وقال ابو يزيد البسطامي قدس سره اطلع الله سبحانه الى قلوب أوليائه فمنهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة فشغلهم بالعبادة: قال الحافظ
| درين چمن نكنم سرزنش بخود رويى | چنانكه پرورشم ميدهند ميرويم |
تفسير سورة الكهف
وهى مائة واحدي عشرة آية مكية وقيل الا قوله واصبر نفسك الآية بسم الله الرحمن الرحيم
الْحَمْدُ لِلَّهِ اللام للاستحقاق اى هو المستحق للمدح والثناء والشكر كله لان كل وجود شىء نعمة من نعمه فلا منعم الا هو قال القيصري رحمه الله الحمد قولى وفعلى وحالى اما القولى فحمد اللسان وثناؤه عليه بما اثنى به الحق على نفسه على لسان أنبيائه عليهم السلام واما الفعلى فهو الإتيان بالأعمال البدنية من العبادات والخيرات ابتغاء لوجه الله تعالى وتوجها الى جنابه الكريم لان الحمد كما يجب على الإنسان باللسان كذلك يجب عليه بحسب مقابلة كل عضو بل على كل عضو كالشكر وعند كل حال من الأحوال كما قال النبي عليه السلام (الحمد لله على كل حال) وذلك لا يمكن الا باستعمال كل عضو فيما خلق لاجله على الوجه المشروع عبادة للحق تعالى وانقيادا لامره لا طلبا لحظوظ النفس ومرضاتها واما الحالي فهو الذي يكون بحسب الروح والقلب كالاتصاف بالكمالات العلمية والعملية والتخلق بالأخلاق الالهية لان الناس مأمورون بالتخلق صفحة رقم 214
الابتداء ومن مزيدة لتأكيد النفي كَبُرَتْ عظمت اى نبت كَلِمَةً تمييز وتفسير للضمير المبهم الذهني فى كبرت مثل ربه رجلا تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ صفة للكلمة تفيد استعظام اجترائهم على التفوه بها والخارج بالذات هو الهواء الحامل لها. يعنى اسناد الخروج إليها مع ان الخارج هو الهواء المتكيف بكيفية الصوت لملابسته بها قال القاضي عظمت مقالتهم هذه فى الكفر لما فيها من التشبيه والتشريك وإيهام احتياجه الى ولد بعينه ويخلفه الى غير ذلك من الزيغ وفى التأويلات كبرت كلمة كفر وكذب قالوها عند الله تعالى وهى اكبر الكبائر إذ نسبوها الى الله وكذبوا عليه وكذبوه إِنْ يَقُولُونَ اى ما يقولون فى هذا الشأن إِلَّا كَذِباً الا قولا كذبا لا يكاد يدخل تحت إمكان الصدق فَلَعَلَّكَ [پس تو مكر] باخِعٌ مهلك نَفْسَكَ قال فى التأويلات النجمية معناه نهى اى لا تنجع نفسك كما يقال لعلك تريد ان تفعل كذا اى لا تفعل كذا او فكأنك كما قال تعالى فى شأن عاد وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ قال فى القاموس بخع نفسه كمنع قتلها غما وبخع بالشاة بالغ فى ذبحها حتى بلغ البخاع هذا أصله ثم استعمل فى كل مبالغة فلعلك باخع نفسك اى مهلكها مبالغا فيها حرصا على إسلامهم والبخاع ككتاب عرق فى الصدر ويجرى فى عظم الرقبة وهو غير النخاع بالنون فيما زعم الزمخشري انتهى عَلى آثارِهِمْ غما ووجدا على فراقهم قال الكاشفى [بعد از بركشتن ايشان از تو يا پس از انكار ايشان ترا يعنى كار بر خود آسان كير وغم بر دل بي غل منه] إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ اى القرآن ان قلت تسمية القرآن حديثا دليل على حدوثه قلت سماه حديثا لانه يحدث عند سماعهم له معناه ولانه عائد الى الحروف التي وقعت بها العبارة عن القرآن كما فى الاسئلة المقحمة قال فى الصحاح الحديث ضد القديم ويستعمل فى قليل الكلام وكثيره أَسَفاً مفعول له لباخع والأسف أشد الحزن كما فى القاموس إذ لفرط الحزن والغضب والحسرة مثل حاله ﷺ فى شدة الوجد على اعراض القوم عن الايمان بالقرآن وكمال التحسر عليهم بحال من يتوقع منه إهلاك نفسه عند مفارقة أحبته تأسفا على مفارقتهم وهذه غاية الرحمة والشفقة على الامة وكمال القيام بأداء حقوق الرسالة والاقدام على العبودية فوق الطاقة وكان من دأبة ﷺ ان يبالغ فى القيام بما امر الى حد ان ينهى عنه كما انه ﷺ حين امر بالإنفاق بالغ فيه الى ان اعطى قميصه وقعد فى البيت عريانا فنهى عن ذلك بقوله وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً فتكلم بعض الكبار فى الحزن فقال الحزن حلية الأدباء طوبى لمن كان شعاره الحزن ودثاره الحزن وبيته الحزن وطعامه الحزن وشرابه الحزن به يلتذ الصديقون والنبيون إذا أحب الله تعالى عبدا القى له نائحة فى قلبه ومن لم يذق طعام الحزن لم يذق لذة العبادة على أنواعها ولا يغرنك ما تسمع من قول صديق متمكن ان الحزن مقام نازل فان مراده ان الحزن تابع للمحزون مثل العلم مع المعلوم فيتضع باتضاعه ويرتفع بارتفاعه قال ابراهيم بن باشر صحبت ابراهيم بن أدهم فرأيته طويل الحزن دائم الفكر واضعا يده على رأسه كأنما أفرغت عليه الهموم إفراغا وكان سفيان عند رابعة
صفحة رقم 216روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء