ﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌﰍﰎﰏﰐﰑﰒﰓﰔﰕ

فانطلقا أي : فقبل عذره ؛ فخرجا من السفينة فانطلقا حتى إذا لقيا غلامًا فقتله قيل : كان يلعب مع الغلمان ففتَلَ عنقه، وقيل : ضرب رأسه بحجر، وقيل : ذبحه، والأول أصح ؛ لوروده في الصحيح، رُوي أن اسم الغلام " جيسور " بالجيم، وقيل : بالحاء المهملة، فإِن قلت : لِمَ قال خرقها ؛ بغير فاءٍ، وقال : فقتله بالفاء ؟ فالجواب : أن " خَرَقَها " : جواب الشرط، و قتله : من جملة الشرط، معطوفًا عليه، والجزاء هو قوله : قال أقتلت ، فإن قلت : لِمَ خولف بينهما ؟ فالجواب : أن خرق السفينة لم يتعقب الركوب، وقد تعقب القتل لِقاء الغلام. ه. وأصله للزمخشري. وقال البيضاوي : ولعل تغيير النظم بأن جعل خرقها جزاء، واعتراض موسى عليه السلام مستأنفًا في الأولى، وفي الثانية فقتله من جملة الشرط، واعتراضه جزاء ؛ لأن القتل أقبح، والاعتراض عليه أدخل، فكان جديرًا بأن يجعل عمدة الكلام، ولذلك وصله بقوله : لقد جئت شيئًا نُكرًا أي : منكرًا. ه. وناقشه أبو السعود بما يطول ذكره.
قال موسى عليه السلام في اعتراضه : أقتلتَ نفسًا زكية : طاهرة من الذنوب، وقرئ بغير ألف ؛ مبالغةً، بغير نَفْسٍ أي : بغير قتلِ نفسٍ محرمةٍ، فيكون قصاصًا. وتخصيص نفي هذا القبيح بالذكر من بين سائر القبيحات من الكفر بعد الإيمان، والزنا بعد إحصان ؛ لأنه أقرب إلى الوقوع ؛ نظرًا لحال الغلام.
لقد جئتَ شيئًا نُكْرًا أي : مُنكرًا، قيل : أنكرُ من الأول، إذ لا يمكن تداركه، كما يمكن تدارك الأول ؛ بالسد ونحوه. وقيل :" الإمْر " أعظم ؛ لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : يُؤخذ من خرق السفينة أن المريد لا تفيض عليه العلوم اللدنية والأسرار الربانية حتى يخرق عوائد نفسه، ويعيب سفينة وجوده، بتخريب ظاهره، حتى لا يقبله أحد، ولا يُقبل عليه أحد، فبذلك يخلو بقلبه ويستقيم على ذكر ربه، وأما ما دام ظاهره متزينًا بلباس العوائد، فلا يطمع في ورود المواهب والفوائد.
ويُؤخذ من قتل الغلام : أنه لا بد من قتل الهوى، وكل ما فيه حظ للنفس والشيطان والطريق في ذلك أن تنظر ما يثقل على النفس فتُحمله لها، وما يخف عليها فتحجزها عنه، حتى لا يثقل عليها شيء من الحق. ويؤخذ من إقامة الجدار رسم الشرائع ؛ قيامًا بآداب العبودية، وصونًا لكنز أسرار الربوبية. ويؤخذُ منه أيضًا : الإحسان لمن أساء إليه، فإن أهل القرية أساؤوا ؛ بترك ضيافة الخضر، فقابلهم بالإحسان ؛ حيث أقام جدارهم. والله تعالى أعلم.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير