ﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ

وأما الجدارُ الذي أقمتُ فكان لغلامين يتيمين في المدينة أي : القرية المذكورة فيما سبق، ولعل التعبير عنها بالمدينة ؛ لإظهار نوع اعتداد بها، باعتداد ما فيها من اليتيمين وأبيهما الصالح، قيل : اسم اليتيمين أصرم وصريم. وكان تحته كنزٌ لهما من فضة وذهب، كما في الحديث١، والذم على كنزهما إنما هو لمن لم يؤد زكاته، مع أن هذه شريعة أخرى. قال ابن عباس :( كان لوحًا من ذهب، مكتوب فيه : عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن ؟ وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب ؟ وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح ؟ وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل ؟ وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها ؟ لا إله إلا الله، محمد رسول الله )٢. وقيل : كانت صحفًا فيها علم مدفون.
وكان أبوهما صالحًا ، فيه تنبيه على أن سَعْيَهُ في ذلك كان لصلاح أبيهما، وفيه دليل على أن الله تعالى يحفظ أولياءه في ذريتهم، قيل : كان بينهما وبين الأب الذي حُفظا به سبعة أجداد. قال محمد بن المنكدر :( إن الله تعالى ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده، ومَسربته التي هو فيها، والدويرات التي حولها، فلا يزالون في حفظ الله وستره ). وكان سعيد بن المسيب يقول لولده : إني لأزيد في صلاتي من أجلك، رجاء أن أُحْفَظَ فيك، ويتلو هذه الآية. وفي الحديث :" ما أحسن أحدٌ الخلافة في ماله إلا أحسن الله الخلافة في تركته " ٣ ويؤخذ من الآية : القيام بحق أولاد الصالحين ؛ إذ قام الخضر عليه السلام بذلك.
فأراد ربك أي : مالكك ومُدبر أمرك. وفي إضافة الرب إلى ضمير موسى عليه السلام، دون ضميرهما، تنبيه له عليه السلام على تحتم كمال الانقياد، والاستسلام لإرادته سبحانه، وَوُجوب الاحتراز عن المناقشة فيما برز من القدرة في الأمور المذكورة وغيرها. أراد أن يبلغا أشُدَّهما : حُلُمَهُمَا وكمالَ رأيِهِمَا، ويستخرجا كنزهما من تحت الجدار، ولولا أني أقمته لانقض، وخرج الكنز من تحته، قبل اقتدارهما على حفظ المال وتنميته، وضاع بالكلية ؛ رحمةً من ربك مصدر في موضع الحال، أي : يستخرجا كنزهما مَرْحُومَيْنِ به من الله تعالى. أو : يتعلق بمضمر، أي : فعلت ما فعلت من الأمور التي شاهدتها، رحمة من ربك ؛ بمن فُعل له أو به.
وقد استعمل الخضر عليه السلام غاية الأدب في هذه المخاطبة ؛ فنسب ما كان عيبًا لنفسه، وما كان ممتزجًا له ولله تعالى ؛ فإن القتل بلا سبب ظاهرهُ عيبٌ، وإبداله بخير منه خير، فأتى بضمير المشاركة، وما كان كمالاً محضًا، وهو إقامة الجدار، نسبه لله تعالى.
ثم قال : وما فعلته أي : ما رَأَيْتَ من الخوارق عن أمري أي : عن رأيي واجتهادي، بل بوحي إلهي مَلَكي، أو إلهامي، على اختلافٍ في نبوته أو ولايته، ذلك أي : ما تقدم ذكره من التأويلات، تأويلُ أي : مآل وعاقبة ما لم تَسْطِع عليه صبرًا أي : تفسير ما لم تستطع عليه صبرًا، فحذف التاء ؛ تخفيفًا، وهو فذلكة لِمَا تقدم، وفي جعل الصلة غير ما مرَّ تكرير للتنكير عليه وتشديد للعتاب. قيل : كل ما أنكر سيدنا موسى عليه السلام على الخضر قد جرى له مثله، ففي هذه الأمثلة حجة عليه، وذلك أنه لما أنكر خرق السفينة، نودي : يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت مطروح في اليم ؟ فلما أنكر قتل الغلام وقيل له : أين إنكارك من وكْزك القبطي وقضائك عليه ؟ فلما أنكر إقامة الجدار، نودي : أين هذا من رفعك الحجر لبنات شعيب دون أجر ؟ والله تعالى أعلم.
رُوِيَ أنه قال له : لو صبرتَ لأتيتُ بك على ألفي عجيبة، كلها مما رأيت. ولما أراد موسى عليه السلام أن يفارقه، قال له : أوصني، قال : لا تطلب العلم لتحدث به، واطلبه لتعمل به. ه.
وفي رواية : قال له : اجعل همتك في معادك، ولا تخض فيما لا يعنيك، ولا تأمن الخوفَ، ولا تيأس الأمْن، وتدبر الأمور في علانيتك، ولا تذر الإحسان في قدرتك. فقال له : زدني يا ولي الله، فقال : يا موسى إياك واللجاجة، ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحك، من غير عَجَب، ولا تُعير أحدًا بخطيئة بعد الندم، وابك على خطيئَتك يا ابن عمران، وإياك والإعجاب بنفسك، والتفريط فيما بقي من عمرك، فقال له موسى : قد أبلغت في الوصية، أتم الله عليك نعمته، وغمرك في رحمته، وكلأك من عدوه. فقال الخضر : آمين. فأوصني أنت يا نبي الله، فقال له موسى : إياك والغضب إلا في الله، ولا ترضى عن أحد إلا في الله، ولا تحب لدنيا ولا تبغض لدنيا، فإنك تخرج من الإيمان وتدخل في الكفر، فقال له الخضر : قد أبلغت في الوصية يا ابن عمران، أعانك الله على طاعته، وأراك السرور في أمرك، وحببك إلى خلقه، وأوسع عليك من فضله، قال موسى : آمين.
تنبيه : قد تقدم أن الجمهور على حياة الخضر عليه السلام. وسبب تعميره أنه كان على مقدمة ذي القرنين، فلما دخل الظلمات أصاب الخضر عين الحياة، فنزل فاغتسل منها، وشرب من مائها، فأخطأ ذو القرنين الطريق، فعاد، فلم يصادفها، قالوا : وإلياس أيضًا في الحياة، يلتقيان في كل سنة بالموسم، واحتج من قال بموت الخضر بقوله - عليه الصلاة والسلام-، كما في الصحيح، بعد صلاة العشاء :" أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّه عَلَى رأسِ مِائَةِ سَنَةِ، لا يَبْقَى ممَنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدًا " ٤، ويجاب بأن الخضر عليه السلام كان في ذلك الوقت في السحاب، أو يخصص الحديث به ؛ كما يخص بإبليس ومن عَمَّر من غيره. والله تعالى أعلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الاعتراض على المشايخ موجب للبُعد عنهم، والبُعد عنهم موجب للبُعد عن الله، فلا وصول إلى الله إلا بالوصول إليهم مع التعظيم والاحترام ؛ " سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه " ؛ كما في الحِكَم. فالواجب على المريد، إذا كان بين يدي الشيخ، السكوت والتسليم والاحترام والتعظيم، إلا أن يأمره بالكلام، فيتكلم بآداب ووقار وخفض صوت، فإذا رأى منه شيئًا يخالف ظاهر الشريعة فليسلم له، ويطلب تأويله، فإن الشريعة واسعة، لها ظاهر وباطن، فلعله اطلع على ما لم يفهمه المريد.
وكذلك الفُقراء لا ينكر عليهم إلا ما كان محرّمًا مجمعًا على تحريمه، ولا تأويل فيه، كالزنا بالمعينة أو اللواط، وأما ما اختلف فيه، ولو خارج المذهب، فلا ينكر عليه، وكذلك ما فيه تأويل. هذا إن صحت عدالته، فقد قالوا : إن صحت عدالة المرء فليترك وما فعل. وتأمل قضية شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمان المجذوب في مسألة الثور الذي أمر الفقراء بذبحه، فلما ذبحوه تبين أنه كان صدقة عليه، وكذلك غيره من أرباب الأحوال، يُلتمس لهم أحسن المخارج، فإن أحوالهم خضرية، وما رأينا أحدًا أولع بالإنكار فأفلح أبدًا. وبالله التوفيق.



١ أخرجه الترمذي في تفسير سورة ١٨، باب ١، والحاكم في المستدرك ٢/٣٦٩..
٢ أخرجه الطبري في تفسيره ١٦/٦..
٣ أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال ١٦٠٧١..
٤ أخرجه البخاري في العلم باب ٤١، ومواقيت الصلاة باب ٢٠، ٤٠، وأبو داود في الملاحم باب ١٨..

الإشارة : الاعتراض على المشايخ موجب للبُعد عنهم، والبُعد عنهم موجب للبُعد عن الله، فلا وصول إلى الله إلا بالوصول إليهم مع التعظيم والاحترام ؛ " سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه " ؛ كما في الحِكَم. فالواجب على المريد، إذا كان بين يدي الشيخ، السكوت والتسليم والاحترام والتعظيم، إلا أن يأمره بالكلام، فيتكلم بآداب ووقار وخفض صوت، فإذا رأى منه شيئًا يخالف ظاهر الشريعة فليسلم له، ويطلب تأويله، فإن الشريعة واسعة، لها ظاهر وباطن، فلعله اطلع على ما لم يفهمه المريد.
وكذلك الفُقراء لا ينكر عليهم إلا ما كان محرّمًا مجمعًا على تحريمه، ولا تأويل فيه، كالزنا بالمعينة أو اللواط، وأما ما اختلف فيه، ولو خارج المذهب، فلا ينكر عليه، وكذلك ما فيه تأويل. هذا إن صحت عدالته، فقد قالوا : إن صحت عدالة المرء فليترك وما فعل. وتأمل قضية شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمان المجذوب في مسألة الثور الذي أمر الفقراء بذبحه، فلما ذبحوه تبين أنه كان صدقة عليه، وكذلك غيره من أرباب الأحوال، يُلتمس لهم أحسن المخارج، فإن أحوالهم خضرية، وما رأينا أحدًا أولع بالإنكار فأفلح أبدًا. وبالله التوفيق.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير