قال ذو القرنين، لمن كان عنده : مختارًا للشق الأخير، وهو الدعاء إلى الإسلام : أمّا من ظَلَم في نفسه، وأصرّ على الكفران، ولم يقبل الإيمان فسوف نُعذِبُه بالقتل. وعن قتادة : أنه كان يطبخ من كفر في القدور، ثم يُرَدُّ إلى ربه في الآخرة نُعَذِّبُهُ فيها عذابًا نُكْرًا ؛ منكرٌ فظيعًا، لم يُعهد مثله، وهو عذاب النار.
وفيه دلالة ظاهرة على أن الخطاب لم يكن بطريق الوحي إليه، أي : حيث لم يقل :" ثم يرد إليك "، وأن مقاولته كانت مع النبي، أو مع من عنده من أهل مشورته.
قال القشيري : ذو القرنين مكَّن له في الأرض جهرًا، فكانت تُطوى له إذا قطع أحوازها، وسُهل له أن يندرج في مشارقها ومغاربها، ويحظر أقطارها ومناكبها، ومن كان في محل الإعانة من الأولياء ؛ فالحق سبحانه يُمكنه في المملكة، ليحصل عند همته ما أراد من حصول طعام أو شراب، أو غيره من قطع مسافة، أو استتار عن أبصار، وتصديق مأمول، وتحقيق سؤال، وإجابة دعاء، وكشف بلاء، وفوق ذلك تمكينه من تحقيق همه له في أمره، ثم فوق ذلك في التمكين في أن يُحضِر بهمتهم قومًا بما شاؤوا، ويمنع قومًا عما شاؤوا، فلهم من الحق تحقيق أمل، إذا تصرفوا في المملكة بإرادات في سوانح وحادثات، وفوق هذا التمكين في المملكة إيصال قوم إلى منازل ومحالُ، فالله يحقق فيهم همتهم. هـ. قلت : وفوق ذلك كله تمكينهم من شهود ذاته، في كل وقت وحين، حتى لو طلبوا الحجاب لم يُجابوا، ولو كُلفوا أن يروا غيره لم يستطيعوا، وهؤلاء هم الذين لهم التمكين في الإيصال إلى منازل السائرين ومحالُ الواصلين. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي