قوله : مَن كَانَ يَظُنُّ . «مَنْ » يجوز أن تكون شرطية وهو الظاهر١، وأن تكون موصولة، والضمير في «يَنْصُرَهُ » الظاهر عوده على «مَنْ »، وفسر النصر بالرزق٢، وقيل٣ يعود على الدين والإسلام فالنصر على بابه٤.
قال ابن عباس والكلبي ومقاتل والضحاك وقتادة وابن زيد والسدي واختيار الفراء٥ والزجاج٦ : أن الضمير في «يَنْصُرَهُ » يرجع إلى محمد - عليه السلام٧ - يريد أن من ظن أن لن ينصر٨ الله محمداً في الدنيا بإعلاء كلمته وإظهار دينه، وفي الآخرة بإعلاء درجته، والانتقام ممن كذبه، والرسول - عليه السلام٩ - وإن لم يجر له ذكر في هذه الآية ففيها ما يدل عليه وهو ذكر الإيمان في قوله١٠ : إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ، والإيمان لا يتم إلا بالله ورسوله ١١.
قوله :«فَلْيَمْدُد » إما جزاء للشرط، أو خبر للموصول، والفاء للتشبيه بالشرط. والجمهور على كسر اللام من «ليَقْطَعْ »، وسكنها بعضهم كما يسكنها بعد الفاء والواو لكونهن عواطف١٢، ولذلك أجروا «ثم » مجراهما في تسكين هاء ( هو ) و ( هي ) بعدها١٣، وهي قراءة الكسائي ونافع في رواية قالون عنه١٤.
قوله : هَلْ يُذْهِبَنَّ الجملة الاستفهامية في محل نصب على إسقاط الخافض، لأن النظر تعلق بالاستفهام، وإذا كان بمعنى الفكر تعدى ب «في »١٥.
وقوله : مَا يَغِيظُ «ما » موصولة بمعنى الذي، والعائد هو الضمير المستتر، و «ما » وصلتها مفعول بقوله :«يُذْهِبَنَّ » أي : هل يذهبن كيده الشيء الذي يغيظه، فالمرفوع في «يغيظه » عائد على الذي والمنصوب على مَن كَانَ يَظُنُّ . وقال أبو حيان : و «ما » في «مَا يَغِيظُ » بمعنى الذي والعائد محذوف أو مصدرية ١٦. قال شهاب الدين : كلا هذين القولين لا يصح، أما قوله : العائد محذوف فليس كذلك بل هو مضمر مستتر في حكم الموجود كما تقدم تقريره قبل ذلك، وإنما يقال : محذوف فيما كان منصوب المحل أو مجروره١٧، وأما قوله : أو مصدرية فليس كذلك أيضاً، إذ لو كانت مصدرية لكانت حرفاً على الصحيح، وإذا كانت حرفاً لم يعد عليها ضمير وإذا لم يعد عليها ضمير بقي الفعل بلا فاعل، فإن قلت : أضمر١٨ في «يَغِيْظ » ضميراً فاعلاً يعود على مَن كَانَ يَظُنُّ .
فالجواب : أن من كان يظن في المعنى مغيظ١٩ لا غائظ. وهذا بحث حسن٢٠.
فصل٢١
المعنى : من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء، والسبب الحبل، والسماء سقف البيت هذا قول الأكثرين، أي : ليشدد حبلاً في سقف بيته فليختنق به حتى يموت، ثم ليقطع الحبل بعد الاختناق.
وقيل : سمي الاختناق قطعاً. وقيل : ليقطع، أي : ليمد الحبل حتى ينقطع فيموت مختنقاً فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ صنيعه وحيلته، أي : هل يذهبن كيده وحيلته غيظه. والمعنى : فليختنق غيظاً حتى يموت، وليس هذا على سبيل الحتم أن يفعل لأنه لا يمكنه القطع والنظر بعد الاختناق والموت، ولكنه كما يقال للحاسد إذا لم ترض بهذا فاختنق ومت غيظاً. وقال ابن زيد : المراد من السماء : السماء المعروفة. ومعنى الآية : من كان يظن أن لا ينصر الله نبيه، ويكيد في أمره ليقطعه عنه، فليقطعه من أصله، فإن أصله من السماء، فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الوحي الذي يأتيه فلينظر هل يقدر على إذهاب غيظه بهذا الفعل.
فصل
روي أن هذه٢٢ الآية نزلت في قوم من أسد وغطفان دعاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الإسلام، وكان بينهم وبين اليهود حلف، وقالوا : لا يمكننا أن نسلم لأنا نخاف أن لا يُنصر محمد ولا يظهر أمره فينقطع الحلف بيننا وبين اليهود فلا يميروننا ولا يؤووننا٢٣ فنزلت هذه الآية وقال مجاهد : النصر يعني الرزق، والهاء راجعة إلى «مَنْ » ومعناه من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة : نزلت فيمن أساء الظن بالله - عز وجل٢٤ - وخاف أن لا يرزقه فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السماء أي : سماء البيت، فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ فعله ذلك ما يغيظ وهو خِيفَة٢٥ أن لا يُرزق. وقد يأتي النصر بمعنى الرزق تقول العرب : من ينصرني نصره الله، أي من يعطيني أعطاه الله٢٦. قال أبو عبيدة٢٧ : تقول العرب : أرض منصورة، أي ممطورة٢٨ وعلى٢٩ كل الوجوه فإنه زجر للكفار عن الغيظ فيما لا فائدة فيه.
٢ وكان الظاهر عود الضمير على "من" لأنه المذكور، وحق الضمير أن يعود على المذكور. الفخر الرازي ٢٣/١٨، البحر المحيط ٦/٣٥٧..
٣ في ب: فصل..
٤ انظر البحر المحيط ٦/٣٥٨..
٥ معاني القرآن ٢/٢١٨..
٦ معاني القرآن وإعرابه ٣/٤١٧..
٧ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٨ في ب: ينصره. وهو تحريف..
٩ في ب: عليه الصلاة والسلام..
١٠ في قوله: سقط من ب..
١١ انظر الفخر الرازي ٢٣/١٦-١٧..
١٢ في الأصل: عواطفا..
١٣ انظر السبعة (١٥١ – ١٥٢) الكشف ١/٢٣٤..
١٤ السبعة (٤٣٤ – ٤٣٥) الكشف ٢/١١٦ – ١١٧، النشر ٢/٣٢٦، الإتحاف ٣١٤، وحركة لام الطلب الكسرة، وسليم تفتحها طلبا للخفة، ويجوز تسكينها بعد الفاء والواو وثم، وإسكانها بعد الفاء والواو أكثر من تحريكها نحو قوله تعالى: فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي [البقرة : ١٨٦] وإسكانها بعد "ثم" قليل، وإسكان اللام بعد هذه الحروف يجري مجرى إسكان الهاء من (هو)، و(هي)، بعدها فإسكانها أكثر من تحريكها بعد الفاء والواو، وقليل بعد "ثم" انظر شرح المفصل ٣/٩٨، الهمع ٢/٥٥، وشرح الأشموني ٤١٤..
١٥ وقال أبو البقاء: (وهل يذهبن) في موضع نصب بـ "ينظر" التبيان ٢/٩٣٧..
١٦ البحر المحيط ٦/٣٥٨..
١٧ وذلك أن العائد المرفوع لا يجوز حذفه إلا بشرطين أحدهما: أن يكون مبتدأ غير منسوخ، وثانيهما: أن يكون خبره مفردا، والعائد هنا فاعل فلا يجوز أن يطلق عليه بأنه محذوف وإنما هو مضمر. واشترط البصريون أيضا في حذف العائد المرفوع في غير صلة (أي)، استطالة الصلة، والكوفيون لا يشترطون ذلك. شرح التصريح ١/١٤٣ – ١٤٤..
١٨ في ب: الضمير. وهو تحريف..
١٩ في ب: يغيظ. وهو تحريف..
٢٠ الدر المصون: ٥/٦٧..
٢١ هذا الفصل نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٥٦٠، بتصرف يسير..
٢٢ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٥٦٠-٥٦١..
٢٣ في ب: ولا يؤذننا. وهو تحريف..
٢٤ في ب: تعالى..
٢٥ في الأصل: خنقه. وفي ب: صفة. والتصويب من البغوي..
٢٦ اللسان (نصر)..
٢٧ في ب: أبو عبيد..
٢٨ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٥٦٠-٥٦١..
٢٩ في الأصل: على..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود