قَوْله تَعَالَى: ألم تَرَ أَن الله يسْجد لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض الْآيَة، قَالَ الزّجاج: السُّجُود هَاهُنَا بِمَعْنى الطَّاعَة أَي: يطيعه، واستحسنوا هَذَا القَوْل؛ لِأَنَّهُ مُوَافق للْكتاب، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ائتيا طَوْعًا أَو كرها قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين وَأَيْضًا
صفحة رقم 427
الله على كل شَيْء شَهِيد (١٧) ألم تَرَ أَن الله يسْجد لَهُ من فِي السَّمَوَات وَمن فِي الأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَالْجِبَال وَالشَّجر وَالدَّوَاب وَكثير من النَّاس وَكثير حق عَلَيْهِ الْعَذَاب وَمن يهن الله فَمَا لَهُ من مكرم إِن الله يفعل مَا يَشَاء (١٨) فَإِن من اعْتِقَاد أهل السّنة أَن الْحَيَوَان والموات مُطِيع كُله لله تَعَالَى، وَقَالَ بَعضهم: إِن سُجُود الْحِجَارَة هُوَ بِظُهُور أثر الصنع فِيهِ، على معنى أَنه يحمل على السُّجُود والخضوع لمن تَأمله وتدبر فِيهِ، وَهَذَا قَول فَاسد، وَالصَّحِيح مَا قدمنَا، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن الله تَعَالَى وصف الْحِجَارَة بالخشية، فَقَالَ: وَإِن مِنْهَا لما يهْبط من خشيَة الله وَلَا يَسْتَقِيم حمل الخشية على ظُهُور أثر الْقُدْرَة فِيهِ، وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى قَالَ: يَا جبال أوبي مَعَه أَي: سبحي مَعَه، وَلَو كَانَ المُرَاد ظُهُور أثر الصنع لم يكن لقَوْله: مَعَ دَاوُد معنى؛ لِأَن دَاوُد وَغَيره فِي رُؤْيَة أثر الصنع سَوَاء، وَأَيْضًا فَإِن الله تَعَالَى قَالَ: وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ أَي: يُطِيع الله بتسبيحه وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم وَلَو كَانَ المُرَاد بالتسبيح ظُهُور أثر الصنع فِيهِ لم يستقم قَوْله: وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم ذكر هَذِه الدَّلَائِل أَبُو إِسْحَاق الزّجاج إِبْرَاهِيم بن السّري، وَأثْنى عَلَيْهِ ابْن فَارس فَقَالَ: ذب عَن الدّين وَنصر السّنة.
وَقَوله: وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَالْجِبَال وَالشَّجر وَالدَّوَاب أَي: هَذِه الْأَشْيَاء (كلهَا تسبح الله تَعَالَى).
وَقَوله: وَكثير من النَّاس أَي: الْمُسلمُونَ.
وَقَوله: وَكثير حق عَلَيْهِ الْعَذَاب هم الْكَافِرُونَ، وَإِنَّمَا حق عَلَيْهِم الْعَذَاب هَاهُنَا بترك السُّجُود، وَمعنى الْآيَة: وَكثير من النَّاس أَبُو السُّجُود فَحق عَلَيْهِم الْعَذَاب.
وَقَوله: وَمن يهن الله فَمَا لَهُ من مكرم أَي: وَمن يشقي الله فَمَا لَهُ من مسعد، وَقَالَ بَعضهم: وَمن يهن الله: وَمن يذله الله، فَمَا لَهُ من إكرام أَي: لَا يُكرمهُ أحد.
هَذَانِ خصمان اخْتَصَمُوا فِي رَبهم فَالَّذِينَ كفرُوا قطعت لَهُم ثِيَاب من نَار يصب من
وَقَوله: إِن الله يفعل مَا يَشَاء أَي: يكرم ويهين، ويشقي ويسعد، بمشيئته وإرادته، وَهُوَ اعْتِقَاد أهل السّنة.
تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
ياسر بن إبراهيم