شركهم إقفار قلوبهم من تقدير الله حق قدره، علما بأن الله يرسل رسلا من الملائكة ومن البشر لتبليغ الرسالة الإلهية على أتم وجه.
ثم عاد الكلام إلى بيان أحكام التشريع من أمر المؤمنين بفرائض جوهرية ثلاث: هي إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والجهاد في سبيل الله حق الجهاد، وأردف ذلك بالتذكير بسماحة الإسلام، وأن الدين يسر لا عسر، ثم أمرهم بالاعتصام بدين الله والقرآن والإسلام، وبيان أن الرسول شهيد على أمته يوم القيامة، وأن أمته تشهد على الأمم المتقدمة بتبليغ أنبيائهم لهم دعوة الله وتشريعه، وتلك مزية سامية لهذه الأمة.
فضلها:
قال العزيزي: وهي من أعاجيب السور، نزلت ليلا ونهارا، سفرا وحضرا، مكيا ومدنيا، سلميا وحربيا، محكما ومتشابها.
الأمر بتقوى الله تعالى
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤) صفحة رقم 150
الإعراب:
يَوْمَ تَرَوْنَها
يَوْمَ
منصوب بتذهل. عَمَّا أَرْضَعَتْ
ما: موصولة أو مصدرية.
أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ في موضع رفع على أنه نائب فاعل، وهاء أَنَّهُ ضمير الشأن.
والحديث. ومَنْ: إما بمعنى الذي، وتَوَلَّاهُ: صلته، وهو وصلته مبتدأ، وقوله:
فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ خبره، ودخلت الفاء لأن الموصول يتضمن معنى الشرط والجزاء. ومن وصلته وخبره: خبر «أن» الأولى. وإما أن تكون مَنْ شرطية، وتَوَلَّاهُ: مجزوم بها، وجواب الشرط: فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ. ومن الشرطية وجوابها خبر «أن» الأولى. وأما فتح «أن» الثانية فهو على أن يكون خبر مبتدأ محذوف، تقديره: فشأنه أنه يضله، أي فشأنه الإضلال.
البلاغة:
وَتَرَى النَّاسَ سُكارى
تشبيه بليغ، حذف فيه أداة التشبيه والشبه، أي كالسكارى من شدة الهول.
شَيْطانٍ مَرِيدٍ استعارة، استعار لفظ الشيطان لكل طاغية عات متمرد على الله.
يُضِلُّهُ ويَهْدِيهِ بينهما طباق.
وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ أسلوب تهكم.
المفردات اللغوية:
يا أَيُّهَا النَّاسُ أي يا أهل مكة وغيركم. اتَّقُوا رَبَّكُمْ احذروا عقابه، بأن تطيعوه.
زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ تحريكها للأشياء، على الإسناد المجازي، والزلزلة: الحركة الشديدة للأرض، وقيل: تكون هذه الزلزلة حقيقة، ثم يكون بعدها طلوع الشمس من مغربها، وإضافتها إلى الساعة لأنها من أشراطها. شَيْءٌ عَظِيمٌ هائل، مزعج للناس، وهو نوع من العقاب. وقد علل أمر الناس بالتقوى بفظاعة الساعة، ليتصوروها بعقولهم، ويعلموا أن الأمان منها بالتدرع بلباس التقوى.
يَوْمَ تَرَوْنَها
الضمير للزلزلة. تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ
أي تذهل كل مرضعة (وهي الأنثى حال الإرضاع) عن رضيعها وتنساه، أي تذهلها الزلزلة، والذهول: الذهاب عن الأمر بدهشة بسبب ما يطرأ من هم أو وجع أو غيره، والمقصود تصوير هولها والدلالة على ترك التعلق بأحب الأشياء. حَمْلَها
جنينها. سُكارى
كأنهم سكارى من شدة الخوف. وَما هُمْ بِسُكارى
على الحقيقة. وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ
أي يرهقهم هوله ويذهب عقولهم وتمييزهم، فهم يخافونه.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فيقولون: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، وينكرون البعث وإحياء من صار ترابا. وَيَتَّبِعُ في جداله وعامة أحواله. كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ متمرد عات، متجرد للفساد.
كُتِبَ عَلَيْهِ قضي على الشيطان. أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ اتبعه. فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ أي كتب عليه إضلال من يتولاه لأنه جبل عليه. وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ أي يدعوه إلى النار، ويحمله على ما يؤدي إليه.
نزول الآيتين (١- ٢) :
روي أن هاتين الآيتين نزلتا ليلا في غزوة بني المصطلق، فقرأهما رسول الله صلّى الله عليه وسلم على الناس، فلم ير باكيا أكثر من تلك الليلة، وأصبح الناس بين باك وجالس حزين متفكر.
نزول الآية (٣) :
وَمِنَ النَّاسِ: أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ قال: نزلت في النضر بن الحارث.
التفسير والبيان:
يأمر الله تعالى عباده بتقواه، ويخبرهم عما يستقبلون من أهوال القيامة وزلازلها وأحوال الآخرة، فيقول:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ، إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ أي يا أيها البشر قاطبة، احذروا عقاب ربكم، بطاعته وعدم عصيانه، فإن زلزلة القيامة أو حركتها الشديدة حين قيامها قبل قيام الناس من قبورهم شيء عظيم الهول، خطير الوقع. وذلك بدليل قوله تعالى: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها [الزلزلة ٩٩/ ٢- ١] وقوله: وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ، فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ [الحاقة: ٦٩/ ١٤- ١٥]
وقوله: إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا، وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا، فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا [الواقعة ٥٦/ ٤- ٦].
وأوصاف ذلك اليوم هي:
١- يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ
يوم تذهل الزلزلة كل مرضعة عن وليدها الرضيع. والذهول: الغفلة عن الشيء مع دهشة، والمرضعة:
التي هي في حال الإرضاع، ملقمة ثديها الصبي. والمرضع: المستعدة للإرضاع أو التي من شأنها أن ترضع، وإن لم تباشر الإرضاع، في حال وصفها به، وقوله:
عَمَّا أَرْضَعَتْ
أي إرضاعها أو عن الطفل الذي ترضعه.
٢- وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها
أي وتسقط الحامل جنينها من بطنها من شدة الهول والخوف والفزع.
قال الحسن البصري: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام.
٣- وَتَرَى النَّاسَ سُكارى..
أي وترى الناس كالسكارى من الخوف، وهم في الحقيقة والواقع غير سكارى من الشراب، ولكن شدة العذاب أفقدتهم عقولهم وتمييزهم.
ومع هذا التحذير الشديد ينكر بعض الناس البعث ويجادل في المغيبات بغير علم، فيقول تعالى:
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ أي وبعض الناس من يجادل في صفات الله وأفعاله، وقدرته على البعث وغيره بغير علم صحيح، ولا عقل رشيد، ويتبع في جداله بالباطل خطوات كل شيطان متمرد عات، فهو لا يجادل بالحق، وإنما يجادل بالباطل.
قيل كما بينا: نزلت في النضر بن الحارث، وكان جدلا، يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، والله غير قادر على إحياء من بلي وصار ترابا.
والآية كما قال في الكشاف عامة في كل من تعاطى الجدال، فيما لا يجوز على الله، وما لا يجوز من الصفات والأفعال، ولا يرجع إلى علم، ولا يتّبع حجة ولا برهانا صحيحا، فهو يخبط خبط عشواء، غير فارق بين الحق والباطل. والآية بمفهومها تدل على جواز المجادلة الحقة، وهي المجادلة مع العلم، المرادة بقوله تعالى: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل ١٦/ ١٢٥]. أما المجادلة الباطلة فهي المراد من قوله تعالى: ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا [الزخرف ٤٣/ ٥٨].
كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ.. أي قضي على من اتبع الشيطان، وجعله وليا ناصرا له أن يوقعه في الضلال، وأن ولايته له لم تثمر إلا الإضلال عن طريق الجنة، والهداية إلى النار، وإيصاله إلى جهنم. والمقصود أن اتباع الشيطان يؤدي إلى الضلال في الدنيا، وإلى عذاب النار في الآخرة، وكأنه تعالى قال: قضي على من يتبع الشيطان أن الشيطان يضله عن الجنة، ويهديه إلى النار، وهذا وعيد لمتبع الشيطان.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١- وجوب التحلي بالتقوى وهي التزام الأوامر الإلهية، واجتناب النواهي، لاتقاء أهوال يوم القيامة ذات الخطر الشديد.
٢- إن وقع الساعة وتأثير القيامة على النفس شديد الأثر، حتى لتكون زلزلتها مذهلة (شاغلة) الأم الحنون عن طفلها الرضيع، ومسقطة الجنين من
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي