قوله :«لِيَشْهَدُوا » يجوز في هذه اللام١ وجهان :
أحدهما : أن تتعلق ب «أَذِّنْ »، أي : أذن ليشهدوا.
والثاني : أنها متعلقة ب «يَأْتُوكَ ». وهو الأظهر٢.
قال الزمخشري : ونكر «مَنَافِعَ » لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات٣. قل سعيد بن المسيب٤ ومحمد بن علي الباقر٥ :
المنافع : هي العفو والمغفرة وقال سعيد بن جبير : التجارة، وهي رواية ابن زيد.
وعن ابن عباس قال : الأسواق. وقال مجاهد : التجارة وما يرضى الله به من أمر الدنيا والآخرة٦. وَيَذْكُرُواْ اسم الله في أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ قال الأكثرون : هي عشر ذي الحجة قيل لها «مَعْلُومَات » للحرص على علمها٧ بحسابها من أجل وقت الحج في آخرها ٨.
والمعدودات : أيام التشريق٩. وروي عن علي : أنها يوم النحر وثلاثة أيام بعده١٠، وهو اختيار الزجاج١١. لأن الذكر على «بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ » يدل على التسمية على نحرها. والنحر للهدايا إنما يكون في هذه الأيام. وروى عطاء عن ابن عباس : أنها يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق١٢. وقيل : عبر عن الذبح والنحر بذكر اسم الله ؛ لأن المسلمين لا ينفكون عن ذكر اسم الله إذا نحروا١٣. ثم قال : على مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الأنعام يعني الهدايا والضحايا تكون من النعم، وهي الإبل والبقرة والغنم١٤. قال الزمخشري : البهيمة المبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر، فبينت بالأنعام وهي : الإبل والبقر والغنم١٥.
قوله :«فَكُلُوا مِنْهَا ». قيل : هذا أمر وجوب، لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من لحوم هداياهم شيئاً تَرَفُّقاً على الفقراء. وقيل : هذا أمر إباحة١٦. واتفق العلماء١٧ على أن الهدي إذا كان تطوعاً كان للمُهْدِي أن يأكل منه، وكذلك أضحية التطوع ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يؤخذ من كل جزور بضعه، فطبخت، وأكل لحمها، وحسي من مرقها، وكان هذا تطوعاً. واختلفوا في الهدي الواجب في النذور والكفارات والجبرانات للنقصان مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة ودم التقليم والحلق، والواجب١٨ بإفساد الحج وفواته وجزاء الصيد١٩. فقال الشافعي وأحمد : لا يأكل منه٢٠. وقال ابن عمر : لا يأكل من جزاء الصيد والنذور٢١، ويأكل مما سواهما٢٢. وقال مالك : يأكل من هدي التمتع، ومن كل هدي وجب عليه إلا من فدية الأذى وجزاء الصيد والمنذور٢٣. وعند أصحاب الرأي : يأكل من دم التمتع والقران ولا يأكل من واجب سواهما٢٤.
قوله : وَأَطْعِمُواْ البائس الفقير . يعني الزمن الفقير الذي لا شيء له ٢٥.
قال ابن عباس : البائس الذي ظهر بؤسه في ثيابه وفي٢٦ وجهه، والفقير الذي لا يكون كذلك فتكون ثيابه نقية ووجهه وجه غني٢٧. والبؤس شدة الفقر.
٢ انظر التبيان ٢/٩٤٠..
٣ الكشاف: ٣/٣٠..
٤ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٥٧٤..
٥ هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو جعفر المدني الإمام المعروف بالباقر، أخذ عن أبيه وأبي سعيد وجابر وابن عمر وغيرهم، وأخذ عنه ابنه جعفر والزهري وغيرهما. مات سنة ١١٤ هـ. خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ٢/٤٤٠..
٦ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٥٧٤..
٧ في ب: عملها. وهو تحريف..
٨ انظر البغوي ٥/٥٧٥..
٩ وهو قول مقاتل. البغوي ٥/٥٧٥..
١٠ انظر البغوي ٥/٥٧٥..
١١ فإنه قال: ("ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام" يعني به يوم النحر والأيام التي بعده ينحر فيها لأن الذكر هاهنا يدل على التسمية على ما ينحر لقوله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) معاني القرآن وإعرابه ٣/٤٢٣..
١٢ انظر البغوي ٥/٥٧٥..
١٣ انظر الكشاف ٣/٣٠..
١٤ انظر البغوي ٥/٥٧٥..
١٥ الكشاف: ٣/٣٠..
١٦ انظر البغوي ٢٣/٣٠..
١٧ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٥/٥٧٥. بتصرف..
١٨ في ب: والحج. وهو تحريف..
١٩ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٥/٥٧٥ بتصرف..
٢٠ انظر البغوي ٥/٥٧٦..
٢١ في ب: والنذو. وهو تحريف..
٢٢ انظر البغوي ٥/٥٧٦..
٢٣ انظر البغوي ٥/٥٧٦..
٢٤ انظر البغوي ٥/٥٧٦..
٢٥ المرجع السابق..
٢٦ في الأصل: لا في. وهو تحريف..
٢٧ انظر الفخر الرازي ٢٣/٣٠..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود