ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪ

قوله تعالى : فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير.... إلى قوله تعالى : واجتنبوا قول الزور :
قوله : فكلوا منها : أمر إباحة بالأكل من الهدايا. وقد اختلف العلماء فيما يؤكل من الهدي الواجد مما لا يؤكل. فذهب مالك إلى أنه يؤكل منها كلها إذا بلغت محلها إلا من ثلاثة أنواع : جزاء الصيد ونسك الأذى ونذر المساكين ١. وذهب أحمد وغيره إلى أنه يؤكل منها إذا بلغت محلها ٢ إلا من جزاء الصيد والنذر، وروي عن الحسن مثله. وذهب الحسن أيضا في رواية عنه إلى أنه يؤكل من جزاء الصيد ونذر المساكين.
وروي عن الشافعي أنه لا يؤكل من الواجب شيء. وقال أبو حنيفة : يؤكل من هدي القران والتمتع ولا يؤكل سوى ذلك ٣ واحتج ابن القصار لمالك : بقوله تعالى : فكلوا منها ولم يخص واجبا من واجب ولا تطوع، فهو عام في جواز الأكل إلا ما قام الدليل عليه من الثلاثة الأشياء المذكورة لأنها وجبت للمساكين فلا يجوز له الرجوع ولا الأكل منها كالكفارات. واختلفوا في هدي التطوع، فعند أصحاب مالك أنه إن لم يبلغ محله لم يؤكل وإن بلغ أكل. وذهب جابر بن زيد إلى أنه لا يؤكل وإن بلغ محله، وإن أكل غرم. وذهب قوم إلى جواز أكله وإن عطب قبل محله، وقاله ابن عمر وعائشة. ومن حجة من يجيز الأكل عموما عموم الآية، وما عطب من هدي واجب قبل بلوغ محله جاز أكله لأن عليه بدله فلا فائدة في منعه أكله. وقد اختلف الناس في الأكل من الأضاحي ومما ٤ يجوز أكله من الهدايا. فاستحب قوم الأكل منها، وهو قول مالك والليث وغيرهما، وخير قوم من غير استحباب، منهم عطاء ومجاهد. وذهب قوم إلى أن من لم يأكل فقد عصى ويأتي على هذا أن الأكل منها واجب. وكان من تأول هذا يحمل أمره تعالى بالأكل على الإيجاب ومن استحب ذلك حمله على الندب ومن خير فيه رآه على الإباحة. ويؤيده أنه قد روي أن المشركين كانوا يأكلون ضحاياهم فرخص للمسلمين في ذلك. فإذا قلنا إنه يستحب له الأكل من أضحيته فماذا يأكل منها ؟ فوسع الجمهور أن يأكل ما شاء ومما شاء من أضحيته من غير تفصيل. وذهب قوم إلى استحباب الأكل من الكبد. قال الزهري : من السنة أن يأكل أولا من الكبد ٥ وروي عن علي أنه ذبح أضحيته فشوى كبدها وتصدق بسائرها ثم أخذ رغيفا بيده والكبد بيده الأخرى فأكل. وقال قوم يستحب أن يأكل من أضحيته الثلث هو وأهل بيته ٦. والقول الأول أظهر لعموم الآية.
– قوله تعالى : وأطعموا البائس الفقير :
أمر بأن يطعم منها المساكين. وقد اختلف في التصدق منها، فرأى قوم أن من لم يفعل ذلك فقد عصى، ويأتي على هذا أن التصديق منها واجب. وذهب قوم إلى أن التصديق منها مستحب، وكأن من ذهب إلى القول الأول حمل قوله تعالى : وأطعموا البائس الفقير أمرا على الإيجاب، ومن ذهب إلى القول الثاني حمله على الندب. وما الذي يستحب الصدقة منها ؟ ذهب الأكثر إلى استحباب من غير تحديد. وذهب ابن مسعود وابن عمر وغيرهما إلى أنه يستحب أن يتصدق بالثلث ويأكل الثلث ويطعم جيرانه الثلث. واستحب قوم الصدقة بالأكثر ٧. والقول الأول أظهر لعدم التحديد في شيء من الآية. قال أبو الحسن : قوله : فكلوا منها وأطعموا يدل على أنه لا يجوز أكل الجميع ولا التصدق بالجميع ٨. وقد اختلف العلماء في الأكل من الهدايا والأضاحي بعد ثلاث. فحرمه قوم واحتجوا بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث ٩. قال بعضهم وإليه ذهب ابن عمر وعلي. وذهب الجمهور إلى إجازة أكلها وادخارها. واحتج بعضهم بأن أحاديث النهي في ذلك منسوخة بأحاديث الإباحة. وقال بعضهم ليس في الأحاديث في ذلك ناسخ ولا منسوخ وأن ذلك مفسر في الحديث لأنه قال : " إنما نهيتكم من أجل الدافة " ١٠ وكان نظرا منه عليه الصلاة والسلام لمعنى، فإذا زال المعنى سقط الحكم، ومتى رأى ذلك الإمام نظرا عهد ١١ بمثل ما عهد به النبي صلى الله عليه وسلم توسعة على المحتاجين ١٢وقال بعضهم قوله تعالى : فكلوا منها ناسخ لفعلهم من ترك الادخار ١٣ واختلف في العقيقة، فذهب الحسن البصري وأهل الظاهر إلى أنها واجبة وتأولوا قوله عليه الصلاة والسلام : " على الغلام عقيقة " ١٤ وذهب قوم إلى أنها سنة ندب إليها وهو مذهب مالك والشافعي وغيرهما ١٥ وعليه يتأولون أحاديث العقائق كلها. وذهب قوم إلى أنها مباحة، وذهب قوم إلى أنها بدعة لا تجوز وينسب إلى أبي حنيفة، وأصحابه ينكرونه ١٦. ومن الناس من رأى هذه الآية – وهي آية الأضحى-. ناسخة للعقيقة وهو قول محمد بن الحسن ١٧. وقال بعضهم ذبح الضحايا ناسخ لكل ذبح ١٨ وقال بعضهم كانت ذبائح الإسلام أربعة : أضحية وهدي وعقيقة ورجبية – وهي ذبيحة كانت تذبح في رجب – وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " على أهل كل بيت في كل عام أضحية وعتيرة " وقال جماعة أهل العلم هي منسوخةبقوله صلى الله عليه وسلم : " لا فرع ولا عتيرة. أتدرون ما العتيرة ؟ هي الرجبية " ١٩ وأجمعت طائفة على نفيها.

١ ذكره أيضا القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٤٤..
٢ "إذا بلغت محلها" كلام ساقط في غير (أ)، (ز)..
٣ راجع كل ذلك في أحكام القرآن للجصاص، باب: في أكل لحوم الهدايا ٥/ ٦٩ – ٧٢، أحكام القرآن للكيا الهراسي ٤/ ٢٨١. الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٤٥. التحرير والتنوير ١٧/ ٢٦٥..
٤ في (أ)، (ز): "وفيما"..
٥ من قوله: "قال الزهري.... إلى: الكبد" كلام ساقط في (أ)، (ز)..
٦ راجع نحو ذلك في الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٤٦..
٧ راجع ذلك في م. س. ١٢/ ٤٧..
٨ في أحكام القرآن للكيا الهراسي: يدل على أنه لا يجوز بيع جميعه ولا التصدق بجميعه. فراجعه في ٤/ ٢٨١..
٩ جاء في الموطأ: حدثني يحيى عن أبي الزبير المكي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاثة أيام ثم قال بعد: "كلوا وتصدقوا وتزودوا وادخروا". وفي حديث آخر: وحدثني عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله بن واقد أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاثة، قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمان، فقالت: صدق، سمعت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: دف ناس من أهل البادية حضرة الأضحى في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادخروا لثلاث وتصدقوا بما بقي" انظر الموطأ، كتاب الضحايا، باب: ادخار لحوم الضحايا ١/ ٣١٨..
١٠ وهو جزء من حديث طويل ذكر في الموطأ فراجعه في ن. ص. وقد جاء في نفس المصدر أن الدافة: قوم مساكين قدموا المدينة..
١١ في (أ)، (ز): "عمل"..
١٢ قال القرطبي: وقد يكون المنع والإباحة معا... وروى أبو داود عن نبيشة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا كنا نهيناكم عن لحومها فوق ثلاث لكي لا تسمعكم، جاء الله بالسعة فكلوا وادخروا واتجروا، ألا وأن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل" قال أبو جعفر النحاس: وهذا القول أحسن ما قيل في هذا حتى تتفق الأحاديث ولا تتضاد... وقال الشافعي: من قال بالنهي عن الادخار بعد ثلاث لم يسمع الرخصة، ومن قال بالرخصة مطلقا لم يسمع النهي عن الادخار، ومن قال بالنهي والرخصة سمعهما جميعا فعمل بمقتضاهما. راجع الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٤٨..
١٣ راجع الإيضاح ص ٣٠٨..
١٤ الحديث ذكره الباجي في المنتقى بلفظ: مع الغلام عقيقة. انظر المنتقى: كتاب العقيقة ٣/ ١٠١..
١٥ قال مالك: وليست العقيقة بواجبة ولكنها يستحب العمل بها وهي من الأمر الذي لم يزل عليه الناس. راجع الموطأ، كتاب العقيقة ١/ ٣٣٨..
١٦ قال الباجي: وقال أبو حنيفة ليست بمشروعة. راجع المنتقى، كتاب العقيقة ٣/ ١٠١..
١٧ راجع الإيضاح ٣٠٨..
١٨ "وقال بعضهم ذبح الضحايا ناسخ لكل ذبح" كلام ساقط في (ح)..
١٩ جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا فرع ولا عتيرة" كتاب الأضاحي، باب: الفرع والعتيرة ٦/ ٨٣. وقال النووي: والفرع بفتح الراء أول ولد الناقة كانوا يذبحونها لآلهتهم.... وأما العتيرة في غير الإسلام فقد فسرها في الحديث الشريف بأنها شاة تذبح في رجب يتقربون بها لآلهتهم ويصبون دمها على رأس الصنم فلما جاء الإسلام صاروا يذبحونها لله تعالى كما فسر الحديث ثم نسخ ذلك. راجع شرح النووي لصحيح مسلم بذيل صحيح مسلم ٦/ ٨٣..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير