قوله تعالى : لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ .
اللام في قوله : ليشهدوا : هي لام التعليل : وهي متعلقة بقوله تعالى : وَأَذِّن في النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ : أي إن تؤذن فيهم يأتوك مشاة وركباناً، لأجل أن يشهدوا : أي يحضروا منافع لهم، والمراد بحضورهم المنافع : حصولها لهم.
وقوله : مَنَافِعَ جمع منفعة، ولم يبين هنا هذه المنافع ما هي. وقد جاء بيان بعضها في بعض الآيات القرآنية، وأن منها ما هو دنيوي، وما هو أخروي، أما الدنيوي فكأرباح التجارة، إذا خرج الحاج بمال تجارة معه، فإنه يحصل له الربح غالباً، وذلك نفع دنيوي.
وقد أطبق علماء التفسير على أن معنى قوله تعالى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ [ البقرة : ١٩٨ ] أنه ليس على الحاج إثم ولا حرج، إذا ابتغى ربحاً بتجارة في أيام الحج، إن كان ذلك لا يشغله عن شيء، من أداء مناسكه كما قدمنا إيضاحه.
فقوله تعالى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فيه بيان لبعض المنافع المذكورة في آية الحج هذه وهذا نفع دنيوي.
ومن المنافع الدنيوية ما يصيبونه من البدن والذبائح كما يأتي تفصيله إن شاء الله قريباً كقوله في البدن : لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى [ الحج : ٣٣ ] على أحد التفسيرين.
وقوله : فَكُلُواْ مِنْهَا في الموضعين، وكل ذلك نفع دنيوي، وفي ذلك بيان أيضاً لبعض المنافع المذكورة في آية الحج هذه.
وقد بينت آية البقرة على ما فسرها به جماعة من الصحابة ومن بعدهم، واختاره أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسيره، ووجه اختياره له، بكثرة الأحاديث الدالة عليه : أن من المنافع المذكورة في آية الحج : غفران ذنوب الحاج، حتى لا يبقى عليه إثم إن كان متقياً ربه في حجه بامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهي عنه.
وذلك أنه قال : إن معنى قوله تعالى : فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [ البقرة : ٢٠٣ ] أن الحاج يرجع مغفوراً له، ولا يبقى عليه إثم سواه تعجل في يومين، أو تأخر إلى الثالث، ولكن غفران ذنوبه هذا مشروط بتقواه ربه في حجه، كما صرح به في قوله تعالى : لِمَنِ اتَّقَى [ البقلرة : ٢٠٣ ] أي وهذا الغفران للذنوب، وحط الآثام إنما هو لخصوص من اتقى.
ومعلوم أن هذه الآية الكريمة فيها أوجه من التفسير غير هذا.
وممن نقل عنهم ابن جرير أن معناها : أنه يغفر للحاج جميع ذنوبه، سواء تعجل في يومين، أو تأخر : علي وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وإبراهيم، وعامر، ومعاوية بن قرة.
ولما ذكر أقوال أهل العلم فيها قال وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال : تأويل ذلك : فمن تعجل من أيام منى الثلاثة، فنفر في اليوم الثاني، فلا إثم عليه، يحط الله ذنوبه إن كان قد اتقى في حجه، فاجتنب فيه ما أمر الله باجتنابه، وفعل فيه ما أمر الله بفعله، وأطاعه بأدائه على ما كلفه من حدوده، ومن تأخر إلى اليوم الثالث منهن، فلم ينفر إلى النفر الثاني، حتى نفر من غد النفر الأول، فلا إثم عليه، لتكفير الله ما سلف من آثامه، وإجرامه إن كان اتقى الله في حجه بأدائه بحدوده.
وإنما قلنا إن ذلك أولى تأويلاته : لتظاهر الأخبار، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه » وأنه قال «تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديث والذهب والفضة » وساق ابن جرير رحمه الله بأسانيده أحاديث دالة على ذلك ففي لفظ له أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال :«تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديث والذهب والفضة وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة » وفي لفظ له، عن عمر يبلغ به النَّبي صلى الله عليه وسلم قال :«تابعوا بين الحج والعمرة فإن المتابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير الخبث أو خبث الحديد » وفي لفظ له عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إذا قضيت حجك فأنت مثل ما ولدتك أمك » وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول بذكر جميعها الكتاب مما ينبىء عن أن من حج، فقضاه بحدوده على ما أمره الله، فهو خارج من ذنوبه كما قال جل ثناؤه فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى [ البقرة : ٢٠٣ ] الله في حجه فكان في ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يوضح أن معنى قوله جل وعز فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ أنه خارج من ذنوبه، محطوطة عنه آثامه، مغفورة أجرامه إلى آخر كلامه الطويل في الموضوع.
وقد بين فيه أنه لا وجه لقول من قال : إن المعنى لا إثم عليه في تعجله ولا إثم عليه في تأخره، لأن التأخر إلى اليوم الثالث، لا يحتمل أن يكون فيه إثم، حتى يقال فيه فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [ البقرة : ٢٠٣ ] وأن قول من قال : إن سبب النزول أن بعضهم كان يقول : التعجل لا يجوز، وبعضهم يقول : التأخر لا يجوز.
فمعنى الآية : النهي عن تخطئة المتأخر المتعجل كعكسه : أي لا يؤثمن أحدهما الآخر أن هذا القول خطأ، لمخالفته لقول جميع أهل التأويل.
والحاصل : أنه أعني الطبري بين كثيراً من الأدلة على أن معنى الآية : هو ما ذكر من أن الحاج يخرج مغفوراً له، كيوم ولدته أمه، لا إثم عليه، سواء تعجل في يومين، أو تأخر، وقد يظهر للناظر أن ربط نفي الإثم في قوله : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ بالتعجل والتأخر في الآية ربط الجزاء بشرطه يتبادر منه، أن نفي الإثم إنما هو في التعجل والتأخر، ولكن الأدلة التي أقامها أبو جعفر الطبري، على المعنى الذي اختار فيها فيه مقنع، وتشهد لها أحاديث كثيرة، وخير ما يفسر به القرآن بعد القرآن سنة النَّبي صلى الله عليه وسلم.
فقوله في آية البقرة هذه فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم «رجع كيوم ولدته أمه » وقوله : لِمَنِ اتَّقَى [ البقرة : ٢٠٣ ] هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق » لأن من لم يرفث، ولم يفسق، هو الذي اتقى.
ومن كلام ابن جرير الطويل الذي أشرنا إليه أنه قال : ما نصه : فإن قال قائل ما الجالب للام في قوله : لِمَنِ اتَّقَى وما معناها ؟
قيل : الجالب لها معنى قوله : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ، لأن في قوله : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ معنى : حططنا ذنوبه، وكفرنا آثامه، فكان في ذلك معنى : جعلنا تكفير الذنوب لمن اتقى الله في حجه، وترك ذكر جعلنا تكفير الذنوب اكتفاء بدلالة قوله : فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [ البقرة : ٢٠٣ ]، وقد زعم بعض نحويي البصرة أنه كأنه إذا ذكر هذه الرخصة، فقد أخبر عن أمر فقال : لِمَنِ اتَّقَى [ البقرة : ٢٠٣ ] أي هذا لمن اتقى، وأنكر بعضهم ذلك من قوله : وقد زعم أن الصفة لابد لها من شيء تتعلق به، لأنها لا تقوم بنفسها، ولكنها فيما زعم من صلة قول متروك.
فكان معنى الكلام عنده ما قلنا : من أن من تأخر لا إثم عليه لمن اتقى، وقام قوله : وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [ البقرة : ٢٠٣ ] مقام القول. انتهى محل الغرض من كلام ابن جرير.
وعلى تفسير هذه الآية الكريمة بأن معنى فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ في الموضعين : أن الحاج يغفر جميع ذنوبه، فلا يبقى عليه إثم، فغفران جمع ذنوبه هذا الذي دل عليه هذا التفسير من أكبر المنافع المذكورة في قوله : لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وعليه فقد بينت آية البقرة هذه بعض ما دلت عليه آية الحج، وقد أوضحت السنة هذا البيان بالأحاديث الصحيحة التي ذكرنا كحديث «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه » وحديث «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة » ومن تلك المنافع التي لم يبينها القرآن حديث «إن الله يباهى بأهل عرفة أهل السماء » الحديث كما تقدم. ومن تلك المنافع التي لم يبينها القرآن تيسر اجتماع المسلمين من أقطار الدنيا في أوقات معينة، في أماكن معينة ليشعروا بالوحدة الإسلامية، ولتمكن استفادة بعضهم من بعض، فيما يهم الجميع من أمور الدنيا والدين، وبدون فريضة الحج، لا يمسكن أن يتسنى لهم ذلك، فهو تشريع عظيم من حكيم خبير، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى : وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ في أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الاٌّنْعَامِ .
قوله : ويذكروا منصوب بحذف النون، لأنه معطوف على المنصوب، بأن المضمرة بعد لام التعليل أعني قوله : لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ .
وإيضاح المعنى : وأذن في الناس بالحج يأتوك مشاة وركباناً، لأجل أن يشهدوا منافع لهم، ولأجل أن يتقربوا إليه بإراقة دماء ما رزقهم من بهيمة الأنعام، مع ذكرهم اسم الله عليها عند النحر والذبح، وظاهر القرآن يدل على أن هذا التقرب بالنحر في هذه الأيام المعلومات، إنما هو الهدايا لا الضحايا، لأن الضحايا لا يحتاج فيها إلى الأذان بالحج، حتى يأتي المضحون مشاة وركباناً، وإنما ذلك في الهدايا على ما يظهر، ومن هنا ذهب مالك، وأصحابه إلى أن الحاج بمنى لا تلزمه الأضحية ولا تسن له، وكل ما يذبح في ذلك المكان والزمان، فهو يجعله هدياً لا أضحية.
وقوله : وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ في أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ أي على نحر وذبح ما رزقهم مِّن بَهِيمَةِ الاٌّنْعَامِ ليتقربوا إليه بدمائها، لأن ذلك تقوى منهم، فهو يصل إلى ربهم كما في قوله تعالى : لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ [ الحج : ٣٧ ] وقد بين في بعض المواضع أنه لا يجوز الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه منها كقوله : وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [ الأنعام : ١٢١ ]. وقوله وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [ الأنعام : ١١٩ ] وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه جعل الحرم المكي منسكاً تراق فيه الدماء تقرباً إلى الله، ويذكر عليها عند تذكيتها اسم الله، ولم يبين في هذه الآية، هل وقع مثل هذا لكل أمة أولاً، ولكنه بين في موضع آخر : أنه جعل مثل هذا لكل أمة من الأمم، وذلك في قوله تعالى : وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الاٌّنْعَامِ [ الحج : ٣٤ ].
وإذا علمت أن من حكم الأذان في الناس بالحج، ليأتوا مشاة، وركباناً تقربهم إلى ربهم بدماء الأنعام، ذاكرين عليها اسم الله عند تذكيتها، وأن الآية أقرب إلى إرادة الهدي من إرادة الأضحية، فدونك تفصيل أحكام الهدايا التي دعوا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم منها.
اعلم أولاً : أن الهدي قسمان : هدي واجب، وهدي غير واجب بل تطوع به صاحبه تقرباً لله تعالى، والأيام المعلومات التي ذكر الله عز وجل أنه يذبح فيها، ويذكر عليه اسم الله فيها، للعلماء فيها أقوال كثيرة. والتحقيق إن شاء الله تعالى : أن غير اثنين من تلك الأقوال الكثيرة ب
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان