ثم يقول الحق سبحانه :
ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ( ٢٨ ) :
كلمة منافع.. ( ٢٨ ) [ الحج ] كلمة عامة واسعة تشمل كل أنواع النفع : مادية دنيوية، أو دينية أخروية، ولا ينبغي أن نضيق ما وسعه الله، فكل ما يتصل بالحج من حركات الحياة يعد من المنافع، فاستعدادك للحج، وتدبير نفقاته وأدواته وراحلته فيها منافع لك ولغيرك حين توفر لأهلك ما يكفيهم حتى تعود.
ما يتم من حركة بيع وشراء في مناطق الحج، كلها منافع متبادلة بين الناس، التاجر الذي يبيع لك، وصاحب البيت الذي يؤجره لك، وصاحب السيارة التي تنقلك.
إذن : المنافع المادية في الحج كثيرة ومتشابكة، متداخلة مع المنافع الدينية الأخروية، فحين تشتري الهدي١ مثلا تؤدي نسكا وتنفع التاجر الذي باع لك، والمربي الذي ربى هذا الهدي، والجزار الذي ذبحه، والفقير الذي أكل منه.
إذن : لا يتم الحج إلا بحركة حياة واسعة، فيها نفع لك وللناس من حيث لا تدري، ولك أن تنظر في الهدايا التي يجلبها الحجاج معهم لأهليهم وذويهم، خاصة المصريين منهم، فترى بعضهم ينشغل بجمع هذه الأشياء قبل أن يؤدي نسكه ويقضي معظم وقته في الأسواق، وكأنه لن يكون حاجا إلا إذا عاد محملا بهذه الهدايا.
لذلك كان يأتي إلينا بعض هؤلاء يسألون : أنا علي دم متعة٢ وليس معي نقود، فماذا أفعل ؟ يريد أن يصوم. صحيح : كيف سيؤدي ما عليه وقد أنفق كل ما معه ؟ فكنت أقول له : اعطني حقيبة سفرك، وسأبيع ما بها، ولن أبقي لك إلا ما يكفيك من نفقات حتى تعود.
أليست هذه كلها من المنافع ؟
ومن منافع الحج أن الحاج منذ أن ينوي أداء هذه الفريضة ويعد نفسه لها إعدادا ماديا، وإعدادا نفسيا معنويا، فيحاول أن يعيد حساباته من جديد، ويصلح من نفسه ما كان فاسدا، وينتهي عما كان يقع فيه من معصية الله، ويصلح ما بينه وبين الناس، إذن : يجري عملية صقل خاصة تحوله إلى إنسان جديد يليق بهذا الموقف العظيم، ويكون أهلا لرؤية بيت الله والطواف به.
ومن الإعداد للحج أن يتعلم الحاج ما له وما عليه، ويتأدب بآداب الحج فيعرف محظوراته وما يحرم عليه، وأنه سوف يتنازل عن هندامه وملابسه التي يزهو بها، ومكانته التي يفتخر بها بين الناس، وكيف أن الإحرام يسوي بين الجميع.
يتعلم كيف يتأدب مع نفسه، ومع كل أجناس الكون من حوله٣، مع نفسه فلا يفكر في معصية، ولا تمتد يده حتى على شعرة من شعره، أو ظفر من أظافره ولا يقرب طيبا، ولا حتى صابونة لها رائحة.
والعجيب أن الحاج ساعة يدخل في الإحرام يحرص كل الحرص على هذه الأحكام، وأتحدى أي إنسان ينوي الحج ويأخذ في الإحرام به، ثم يفكر في معصية، لأنه يعد نفسه لمرحلة جديدة يتطهر فيها من الذنوب، فكيف يكتسب المزيد منها وقد أتى من بلاد بعيدة ليتطهر منها ؟
وفي الحج يتأدب الحاج مع الحيوان، فلا يصيده ولا يقتله، ومع النبات فلا يقطع شجرا. يتأدب حتى مع الجماد الذي يعتبره أدنى أجناس الكون، فيحرص على تقبيل الحجر الأسود، ويجتهد في الوصول إليه، فإن لم يستطع أشار إليه بيده.
إن الحج التزام وانضباط يفوق أي انضباط يعرفه أهل الدنيا في حركة حياتهم، ففي الحج ترى هذا الإنسان السيد الأعلى لكل المخلوقات كم هو منكسر خاضع مهما كانت منزلته، وكم هي طمأنينة النفس البشرية حين تقبل حجرا وهي راضية خاضعة، بل ويحزن الإنسان إذا لم يتمكن من تقبيل الحجر.
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى : ويذكروا اسم الله في أيام معلومات.. ( ٢٨ ) [ الحج ] :
يذكروا اسم الله، لأن كل أعمال الحج مصحوبة بذكر الله وتلبيته، فما من عمل يؤديه الحاج إلا ويقول : لبيك اللهم لبيك. وتظل التلبية شاغله وديدنه إلى أن يرمي جمرة العقبة، ومعنى " لبيك اللهم لبيك " أن مشاغل الدنيا تطلبني، وأنت طلبتني لأداء فرضك علي، فأنا ألبيك أنت أولا، لأنك خالقي وخالق كل ما يشغلني ويأخذني منك.
والأيام المعلومات هي : أيام التشريق٤
ومعنى : على ما رزقهم من بهيمة الأنعام.. ( ٢٨ ) [ الحج ] : أي : يشكرون الله على هذا الرزق الوقتي الذي يأكلون منه ويشربون، ويبيعون ويشترون في أوقات الحج. أو يشكرون الله على أن خلق لهم هذه الأنعام، وإن لم يحجوا، ففي خلق الأنعام- وهي الإبل والبقر والغنم والماعز- وتسخيرها للإنسان حكمة بالغة، ففضلا عن الانتفاع بلحمها وألبانها وأصوافها وأوبارها اذكروا الله واشكروه أن سخرها لكم، فلولا تسخير الله لها لما استطعتم أن تنتفعوا بها، فالجمل مثلا هذا الحيوان الضخم يقوده الطفل الصغير، وينيخه ويحمله في حين لم يستطع الإنسان تسخير الثعبان مثلا أو الذئب.
لذلك يقول تعالى : أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون ( ٨١ ) وذللناها لهم.. ( ٨٢ ) [ يس ].
لذلك نذكر الله ونشكره على ما رزقنا من بهيمة الأنعام استمتاعا بها أكلا، أو استمتاعا بها بيعا أو زينة، كما قال تعالى : ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ( ٦ ) [ النحل ].
ولولا أن الله تعالى ذللها لخدمتك ما استطعت أنت تذليلها والانتفاع بها، لذلك من حكمة الله أن يترك بعض خلقه غير مستأنس، ولا يمكن لك بحال أن تستأنسه أو تذلله لتظل على ذكر لهذه النعمة، وتشكر الله عليها.
وسبق أن ضربنا مثلا بالبرغوث، وهو من أدنى هذه المخلوقات، ولا تكاد تراه، ومع ذلك لا تقدر عليه، وربما أقض مضجعك، وأقلق نومك طوال الليل. وتلمس هذه النعمة في الجمل الذي يقوده الصبي الصغير، إذا حرن٥ منك فلا تستطيع أن تجعله يسير رغما عنه، أو صال فلا يقدر عليه أحد، وقد يقتل صاحبه ويبطش بمن حوله.
إذن : لا قدرة لك عليه بذاتك، إنما بتذليل الله يمكن الانتفاع به، فتسوقه إلى نحره، فيقف ساكنا مستسلما لك.
والمتأمل في حال الحيوانات التي أحلها الله لنا يجد أمرها عجيبا، فالحيوان الذي أحله الله لك تظل تنتفع به طوال عمره، فإذا ما تعرض لما يزهق روحه، ماذا يفعل ؟ يرفع رأسه إلى أعلى، ويعطيك مكان ذبحه، وكأنه يقول لك : أنا في اللحظات الأخيرة فاجتهد في أن تنتفع بلحمي، وأهل الريف إذا شاهدوا مثل هذه الحالة يقولون : طلب الحلال يعني الذبح. أما الحيوان الذي لا يذبح ولا يحله الله فيموت منكس الرأس، لأنه لا فائدة منه.
هذا الحيوان الذي نتهمه بالغباء ونقول أنه بهيم.. الخ لو فكرت فيه لتغير رأيك، فالحمار الذي نتخذه رمزا للغباء وعدم الفهم تسوقه أمامك وتحمله القاذورات وتضربه فلا يعترض عليك ولا يخالفك، فإن نظفته وزينته بلجام فضة، وبردعة قطيفة تتخذه ركوبة وزينة ويسير بك ويحملك، وأنت على ظهره، فإن غضبت عليه واستخدمته في الأحمال وفي القاذورات تحمل راضيا مطيعا..
وانظر إلى هذا الحمار الذي نتخذه مثلا للغباء، إذا أردت منه أن يقفز قناة أوسع من مقدرته وإمكانياته، فإنه يتراجع، ومهما ضربته وقسوت عليه لا يقدم عليها أبدا، لأنه يعلم مدى قفزته، ويعلم مقدرته، ولا يقدم على شيء فوق ما يطيق- وبعد ذلك نقول عنه : حمار.
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى : فكلوا٦ منها وأطعموا البائس الفقير ( ٢٨ ) [ الحج ] :
البائس : هو الذي يبدو على سحنته وشكله وزيه أنه فقير محتاج، أما الفقير فهو محتاج الباطن، وإن كان ظاهره اليسر والغنى، وهؤلاء الفقراء لا يلتفت الناس إليهم، وربما لا يعلمون حالهم وحاجتهم، وقد قال الله فيهم : يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا.. ( ٢٧٣ ) [ البقرة ].
والمعنى : كلوا مما يباح لكم الأكل منه، وهي الصدقة المحضة، أو الهدية للبيت غير المشروطة بشيء، يعني : لا هي دم قران أو تمتع، ولا هي فدية لمخالفة أمر من أمور الإحرام، أو كانت نذرا فهذه كلها لا يؤكل منها٧.
إذن : كلوا من الصدقة والتطوع، وأطعموا كذلك البائس والفقير، ومن رحمة الله بالفقراء أن جعل الأغنياء والمياسير هم الذين يبحثون عن الذبائح ويشترونها ويذهبون لمكان الذبح ويتحملون مشقة هذا كله، ثم يبحثون عن الفقير ليعطوه وهو جالس في مكانه مستريحا، يأتيه رزقه من فضل الله سهلا ميسرا.
لذلك يقولون : من شرف الفقير أن جعله الله ركنا من أركان إسلام الغني، أي : في فريضة الزكاة، ولم يجعل الغني ركنا من أركان إسلام الفقير.
٢ - التمتع : هو الاعتمار في أشهر الحج، ثم يحج من عامه الذي اعتمر فيه وسمى تمتعا للانتفاع بأداء النسكين في أشهر الحج في عام واحد، من غير أن يرجع إلى بلده، وصفة التمتع أن يحرم من الميقات بالعمرة وحدها ويقول عند التلبية "لبيك بعمرة" ويؤدي مناسك العمرة ثم يتحلل من إحرامه ويتمتع بك لما كان محرما عليه إلى أن يجيء يوم التروية فيحرم من مكة بالحج، وهذا يجب عليه الهدي (فقه السنة ١/٣٦٥، ٣٦٦).
٣ - يقصد صيد المحرم بالحج أو العمرة يقول تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم... (المائدة٩٥) ويقول أيضا أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما...(المائدة٩٦).
٤ - ذكر ابن كثير في تفسيره (٣/٢١٧) أربعة أقوال في تأويل الأيام المعلومات:
- أيام العشر الأول من شهر ذي الحجة. قاله ابن عباس وأبو موسى الأشعري ومجاهد وغيرهم وهو مذهب الشافعي والمشهور عن أحمد بن حنبل.
- يوم النحر وثلاثة أيام بعده وهو أيام ١٠. ١١. ١٢. ١٣ من شهر ذي الحجة وهي المسماة بأيام التشريق. قاله ابن عباس وابن عمر وإليه دهب أحمد بن حنبل في رواية عنه.
- يوم النحر ويومان بعده قاله ابن عمر والسدي وهو مذهب مالك.
- يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق. قاله زيد ابن أسلم أي أيام ٩. ١٠. ١١. ١٢ ١٣ من شهر ذي الحجة..
٥ - حرنت الناقة: قامت فلم تبرح (أي : رفضت السير) لا تنقاد إذا استدر (طلب منها ) جريها وقفت (لسان العرب –مادة : حرن).
٦ - قال أبو بكر الجصاص (ت٣٧٠ هـ) في كتابه " أحكام القرآن" ط. دار الكتب العلمية (٣/٣٠٧): "ظاهره يقتضي إيجاب الأكل. إلا أن السلف متفقون على أن الأكل منها ليس على الوجوب، وقد روي عن عطاء والحسن وإبراهيم ومجاهد قالوا: إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل"..
٧ - قال الجصاص في " أحكام القرآن" (٣/٣٠٧) الناس في در القرآن والمتعة على قولين: منهم من لا يجيز الأكل منه. ومنهم من يبيح الأكل منه ولا يوجبه" وقال الشافعي في كتاب الأم(٢/٣٤): "الهدي هديان: واجب وتطوع، فكل ما كان أصله واجبا على إنسان ليس له حبسه، فلا يأكل منه شيئا وذلك مثل : هدي الفساد والطيب وجزاء الصيد والنذور والمتعة، وإن أكل من الهدي الواجب تصدق بقيمة مت أكل منه، وكل ما كان أصله تطوعا مثل الضحايا والهدايا تطوعا أكل منه وأطعم وأهدى وادخر وتصدق وأحب إلي أن لا يأكل ولا يحبس إلا ثلثا ويهدي ثلثا ويتصدق بثلث..
تفسير الشعراوي
الشعراوي