ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪ

ليشهدوا منافعَ لهم أي : يأتوك ليحضروا منافع لهم، دنيوية ودينية، لا تُوجد في غير هذه العبادة ؛ كالطواف ونظر الكعبة، وتضعيف أمر الصلاة ؛ لأن العبادة شرعت للابتلاء بالنفس كالصلاة والصوم، أو بالمال، وقد اشتمل الحج عليهما، مع ما فيه من تحمل الأثقال وركوب الأهوال، وقطع الأسباب وقطيعة الأصحاب، وهجرة البلاد والأوطان، ومفارقة الأهل والولدان. ولذلك ورد أنه يُكفر الذنوب كلها، كما في الحديث :" مَنْ حَجَّ هَذا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجعَ من ذُنُوبِه كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ " ١
ويذكروا اسمَ الله عند ذبح الضحايا والهدايا في أيام معلومات ، وهي أيام النحر عند مالك، وعند الشافعي : اليوم الأول والثاني والثالث ؛ لأن هذه هي أيام الضحايا عنده. ولم يجز ذبحها بالليل ؛ لقوله : في أيام . وقال أبو حنيفة : الأيام المعلومات : عشر ذي الحجة ويوم النحر، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه، وأما الأيام المعدودات، فهي : الثلاثة بعد يوم النحر -فيوم النحر معلوم لا معدود-، ورابعه : معدود لا معلوم، واليومان بعده : معلومان ومعدودان.
فيذكروا اسم الله على ما رزقهم أي : على ذبح ما رزقهم من بهيمة الأنعام ، وهي الإبل والبقر والغنم، فكُلُوا منها ؛ من لحومها، والأمر : للإباحة، ولإزاحة ما كانت عليه الجاهلية من التحرج.
قال ابن جزي : ويُستحب أن يأكل الأقل من الضحايا، ويتصدق بالأكثر. ه. وقال النسفي : ويجوز الأكل من هَدي التطوع والمتعة والقِران ؛ لأنه دم نسك ؛ لأنه أشبه الأضحية، ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا. ه. وهو حنفي، وفي مذهب مالك تفصيل يطول ذكره.
وأطعموا البائسَ ، وهو الذي أصابه البؤس، أي : ضرر الحاجة، وقيل : المتعفف، وقيل : الذي يظهر عليه أثر الجوع، الفقير : المحتاج الذي أضعفه الإعسار.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قوله تعالى : ثم ليقضوا تفثهم ، قال القشيري : أي : حوائجهم، ويحققوا عهودهم، ويُوفوا نذورهم فيما عقدوه مع الله بقلوبهم، فَمَنْ كان عقدُه التوبةَ ؛ فوفاؤه ألاَّ يرجعَ إلى العصيان، ومَنْ كان عَهْدُه اعتناقَ الطاعةِ، فَشَرْطُ وفائه ترك تقصيره، ومن كان عهدُه ألاَّ يرجع إلى طلب مقامٍ وتطلع إكرامٍ، فوفاؤه استقامته على الجملة، التي دخل عليها في هذه الطريق، بألا يرجع إلى استعجال نصيبٍ واقتضاءِ حظ.
هـ. قلت : ومن كان عقده الوصول إلى حضرة القدس ومحل الأنس، فوفاؤه ألا يرجع عن صحبة من سقاه خمرة المحبة، وحمله إلى درجة المعرفة. ثم قال : ومَنْ عاهد الله بقلبه، ثم لا يفي بذلك، فهو من جملة قول الزور. هـ. وهو أيضًا ليس بمُعَظِّمٍ لحرمات الله، حيث طلبها ثم تهاون وتركها. والله تعالى أعلم.



١ أخرجه البخاري في الحج باب ٤، والمحصر باب ٩، ومسلم في الحج حديث ٤٣٨، وأحمد في المسند ٢/٢٢٩، ٢٤٨، ٤١٠، ٤٨٤، ٤٩٤..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير