قَوْله تَعَالَى: أفلم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فَتكون لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بهَا أَي: يعلمُونَ بهَا، وَيُقَال: إِن الْعقل علم غريزي، وَاسْتدلَّ من قَالَ: إِن مَحَله الْقلب بِهَذِهِ الْآيَة.
وَقَوله: أَو آذان يسمعُونَ بهَا يَعْنِي: مَا يذكر لَهُم من أَخْبَار الْقُرُون الْمَاضِيَة فيعتبروا بهَا.
وَقَوله: فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أَلا إِن الْعَمى عمى الْقلب ".
وَقَالَ بَعضهم: عينان فِي الْوَجْه وعينان فِي الْقلب؛ فالعينان فِي الْوَجْه للنَّظَر، والعينان فِي الْقلب للاعتبار، وَعَن قَتَادَة أَنه قَالَ: الْبَصَر الظَّاهِر بلغَة وَمَنْفَعَة، وَأما بصر الْقلب فَهُوَ الْبَصَر النافع.
وَقَوله: وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور مَعْنَاهُ: أَن الْعَمى الضار هُوَ عمى الْقُلُوب، وَأما عمى الْبَصَر فَلَيْسَ بضار فِي أَمر الدّين، وَمن الْمَعْرُوف فِي كَلَام النَّاس: لَيْسَ الْأَعْمَى من عمي بَصَره، وَإِنَّمَا الْأَعْمَى من عيت بصيرته.
وَحكي عَن ابْن عَبَّاس [أَنه] دخل على مُعَاوِيَة بَعْدَمَا عمي، وَكَانَ أَبوهُ قد عمي
وَلنْ يخلف الله وعده وَإِن يَوْمًا عِنْد رَبك كألف سنة مِمَّا تَعدونَ (٤٧) وكأين من قَرْيَة أمليت لَهَا وَهِي ظالمة ثمَّ أَخَذتهَا وإلي الْمصير (٤٨) قل يَا أَيهَا النَّاس إِنَّمَا أَنا فِي آخر عمره، وَكَذَلِكَ جده عبد الْمطلب، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: مَا لكم يَا بني هَاشم، تصابون فِي أبصاركم؟ فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس: وَمَا لكم يَا بني أُميَّة، تصابون فِي بصائركم.
وَقَوله: تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور هَاهُنَا على طَرِيق التَّأْكِيد مثل قَوْله تَعَالَى: يَقُولُونَ بأفواههم وَمثل قَول الْقَائِل: نظرت بعيني ومشيت بقدمي.
تفسير السمعاني
أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي
ياسر بن إبراهيم