ﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼ

ثم أنكر سبحانه على أهل مكة عدم اعتبارهم بهذه الآثار قائلاً : أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرض حثاً لهم على السفر ليروا مصارع تلك الأمم فيعتبروا، ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ولم يعتبروا، فلهذا أنكر عليهم، كما في قوله : وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وبالليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [ الصافات : ١٣٧، ١٣٨ ]. ومعنى فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا : أنهم بسبب ما شاهدوا من العبر تكون لهم قلوب يعقلون بها ما يجب أن يتعقلوه وأسند التعقل إلى القلوب لأنها محل العقل. كما أن الآذان محل السمع. وقيل : إن العقل محله الدماغ ولا مانع من ذلك، فإن القلب هو الذي يبعث على إدراك العقل وإن كان محله خارجاً عنه.
وقد اختلف علماء المعقول في محل العقل وماهيته اختلافاً كثيراً لا حاجة إلى التطويل بذكره أو آذان يسمعون بها أي ما يجب أن يسمعوه مما تلاه عليهم أنبياؤهم من كلام الله، وما نقله أهل الأخبار إليهم من أخبار الأمم المهلكة فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار قال الفراء : الهاء عماد يجوز أن يقال : فإنه، وهي قراءة عبد الله بن مسعود، والمعنى واحد، التذكير على الخبر، والتأنيث على الأبصار أو القصة، أي فإن الأبصار لا تعمي، أو فإن القصة لا تعمي الأبصار أي أبصار العيون ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور أي ليس الخلل في مشاعرهم، وإنما هو في عقولهم أي لا تدرك عقولهم مواطن الحق ومواضع الاعتبار. قال الفراء والزجاج : إن قوله التي في الصدور من التوكيد الذي تزيده العرب في الكلام كقوله : عشرة كاملة [ البقرة : ١٩٦ ]، يقولون بأفواههم [ المائدة : ٤١ ]، يطير بجناحيه [ الأنعام : ٣٨ ].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة في قوله : فَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا قال : خربة ليس فيها أحد وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ : عطلها أهلها وتركوها وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ قال : شيدوه وحصنوه فهلكوا وتركوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ قال : التي تركت لا أهل لها. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه وَقَصْرٍ مَشِيدٍ قال : هو المجصص. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن عطاء نحوه أيضاً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ ممَّا تَعُدُّونَ قال : من الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة، قال في الآية : هو يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال : الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة، فقد مضى منها ستة آلاف. وأخرج ابن عدّي والديلمي عن أنس مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس معاجزين قال : مراغمين. وأخرج ابن جرير عنه أنه قال : مشاقين.


فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية