ﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼ

قوله تعالى : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض الآية. يعني كفار مكة أفلم يسيروا في الأرض فينظروا إلى مصارع المكذبين من الأمم الخالية، فذكر ما يتكامل به الاعتبار، لأن الرؤية لها حظّ عظيم في الاعتبار، وكذلك سماع الأخبار ولكن لا يكمل هذان الأمران إلا بتدبير القلب، لأن من عاين وسمع ولم يتدبر ولم يعتبر لم ينتفع، فلهذا قال : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور ١.
قوله :«فَتَكُونَ » منصوب على جواب الاستفهام٢، وعبارة الحوفي على جواب التقرير٣. وقيل : على جواب النفي٤ وقرأ مبشر بن عبيد٥ :«فَيَكُونَ » بالياء٦ من تحت لأن التأنيث مجازي. ومتعلق العقل٧ محذوف أي : ما حل بالأمم السالفة٨. ثم قال : قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أي : يعلمون بها، وهذا يدل على أن العقل٩ العلم، وعلى أن محل العلم هو القلب، لأنه جعل القلب آلة لهذا العقل، فيكون القلب محلاً للعقل، ولهذا سمي الجهل بالعمى، لأن الجاهل لكونه متحيراً يشبه الأعمى١٠. ثم قال١١ : أَوْ١٢ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا أي : ما يذكر لهم من أخبار القرون الماضية يعتبرون بها.
قوله : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الضمير للقصة، و لاَ تَعْمَى الأبصار مفسرة له، وحسن التأنيث في الضمير كونه وليه فعل بعلامة تأنيث، ولو ذكر في الكلام فقيل :«فإنه » لجاز، وهي قراءة مروية عن عبد الله بن مسعود١٣، والتذكير باعتبار الأمر والشأن. وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً يفسره «الأبصار » وفي «تعمى » ضمير راجع إليه١٤.
قال أبو حيان : وما ذكره لا يجوز، لأن الذي يفسره ما بعده محصور وليس هذا واحداً منه وهو في باب ( رُبَّ )، وفي باب نعم وبئس، وفي باب الإعمال، ( وفي باب البدل١٥ )، وفي باب المبتدأ والخبر على خلاف في بعضها، وفي باب ضمير الشأن، والخمسة الأُول تفسر بمفرد إلا ضمير الشأن فإنه يفسر بجملة١٦، وهذا ليس واحداً من الستة١٧.
قال شهاب الدين : بل١٨ هذا من المواضع المذكورة، وهو باب المبتدأ غاية ما في ذلك أنه دخل عليه ناسخ وهو «إنَّ » فهو نظير قولهم : هي العرب تقول ما شاءت، و :
هِيَ النَّفْسَ تَحْمِلُ مَا حُمِّلَت١٩ ***. . .
وقوله تعالى : إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا ٢٠ [ الأنعام : ٢٩ ] وقد جعل الزمخشري جميع ذلك مما يفسر بما بعده، ولا فرق بين الآية الكريمة وبين هذه الأمثلة إلا دخول الناسخ، ولا أثر له، وعجيب من غفلة الشيخ عن ذلك ٢١.
قوله : التي فِي الصدور صفة أو بدل أو بيان، وهل هو توكيد كقوله :«يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ »٢٢ لأن القلوب لا تكون في غير الصدور، أو لها معنى زائد كما قال الزمخشري : الذي قد تعورف واعتقد أنَّ العمى في الحقيقة مكانه البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها، واستعماله في القلب استعارة وَمَثلٌ، فلما أريد إثبات ما هو خلاف المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار، احتاج هذا التصوير إلى زيادة تعيين وفضل تعريف لتقرر أن مكان العمى٢٣ هو القلوب لا الأبصار كما تقول : ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك. ( فقولك : الذي بين فكيك )٢٤ تقرير لما ادعيته للسان وتثبيت لأن محل المضاء هو هو لا غير، وكأنك قلت : ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك فلتة مني ولا سهواً، ولكن تعمدت به إياه بعينه تعمداً٢٥. وقد رد أبو حيان على الزمخشري قوله : تعمدت به إياه، وجعل هذه العبارة عجمة من حيث إنه فصل الضمير، وليس من مواضع فصله، وكان صوابه أن يقول تعمدته به. كما تقول : السيف ضربتك به، لا ضربت به إياك ٢٦.
وقد تقدم نظير هذا الرد والجواب عنه بما أجيب عن قوله تعالى : يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ ٢٧ [ الممتحنة : ١ ] وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ ٢٨ [ النساء : ١٣١ ] وهو أنه مع قصد تقديم غير الضمير عليه لغرض يمنع اتصاله. قال شهاب الدين : وأي خطأ في مثل٢٩ هذا حتى يدعي العجمة على فصيح شهد له بذلك أعداؤه وإن كان مخطئاً في بعض الاعتقادات مما لا تعلق له بما نحن بصدده٣٠.
وقال ابن الخطيب : وعندي فيه وجه آخر٣١، وهو أن القلب قد يجعل كناية عن الخاطر والتدبر كقوله تعالى : إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ ٣٢ [ ق : ٣٧ ]، وعند قوم أن محل الفكر هو الدماغ، فالله تعالى بين أن محل ذلك هو الصدر٣٣. وفي محل العقل خلاف مشهور، وإلى الأول مال ابن عطية قال : هو مبالغة كما تقول : نظرت إليه بعيني، وكقوله : يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم ٣٤ ٣٥. [ آل عمران : ١٦٧ ]. وقد تقدم أن في قوله :«بِأَفْوَاهِهِمْ » فائدة زيادة على التأكيد.

١ انظر الفخر الرازي ٢٣/ ٤٥ – ٤٦..
٢ قاله ابن عطية. تفسير ابن عطية ١٠/٢٩٨..
٣ انظر البحر المحيط ٦/٣٧٧..
٤ انظر البحر المحيط ٦/٣٧٧..
٥ مبشر بن عبيد القرشي الحمصي، كوفي الأصل، روى عن زيد بن أسلم، وقتادة، وأبي الزبير، والزهري، وغيرهم روى عنه محمد بن شعيب والخليل بن مرة، وغيرهما. تهذيب التهذيب ١٠/ ٣٢ – ٣٣..
٦ المختصر (٩٦) البحر المحيط ٦/٣٧٧..
٧ في ب: الفعل. أي: متعلق "يعقلون"..
٨ انظر البحر المحيط ٦/٣٧٨..
٩ في ب: القعل. وهو تحريف..
١٠ انظر الفخر الرازي ٢٣/٤٦..
١١ ثم: سقط من ب..
١٢ في النسختين: و. وهو تحريف..
١٣ انظر البحر المحيط ٦/٣٧٨..
١٤ الكشاف ٣/٣٦..
١٥ ما بين القوسين سقط من ب..
١٦ انظر المغني ٣/٤٨٩ – ٧٩٣، الهمع ١/٦٥ – ٦٧..
١٧ انظر البحر المحيط ٦/٣٧٨..
١٨ في ب: بلى..
١٩ في المغني: تحمل. والشاهد في هذين القولين أن الضمير مبتدأ مفسر بالخبر وهو من المواضع التي يكون مفسر الضمير فيها مؤخرا. انظر المغني ٢/٤٨٩ الهمع ١/٦٦..
٢٠ الدنيا: سقط من ب. [الأنعام: ٢٩] ومن [المؤمنون: ٣٧]..
٢١ الدر المصون: ٥/٧٧..
٢٢ من قوله تعالى: وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم [الأنعام: ٣٨]..
٢٣ العمى: سقط من ب..
٢٤ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٥ الكشاف ٣/٣٦..
٢٦ البحر المحيط ٦/٣٧٨..
٢٧ [الممتحنة: ١]..
٢٨ [النساء: ٣١]..
٢٩ في: سقط من الأصل..
٣٠ الدر المصون ٥/٧٧..
٣١ آخر: سقط من ب..
٣٢ [ق: ٣٧]..
٣٣ الفخر الرازي ٢٣/٤٦..
٣٤ من قوله تعالى: يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون [آل عمران: ١٦٧]..
٣٥ تفسير ابن عطية ١٠/٢٩٩، وفيه الآية مقدمة على المثال. والآية فيه بأفواهكم من قوله تعالى: وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم [النور: ١٥]، ومن قوله تعالى: وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم [الأحزاب: ٤]..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية