جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:في هذه الآيات الكريمات ما يثبت الله تعالى به فؤاد النبي الأمين، ومن اتبعه من المؤمنين، على منهاج الحق والدين القويم، فإنه مهما جحد الجاحدون، وصد الجبارون المتكبرون، فقد سبقهم في هذا البغي والعتو كثيرون، فأمهلهم القوي العزيز، وكلما جاء حين البطشة بأمة من تلك الأمم الفاجرة الكافرة أهلكها القهار، وأحل بديارها البوار، فكيف نكست أحوالهم فانقلبوا بعد ما مكنوا فيه إلى هوان وذلة ودمار ؛ وكثير من القرى التي كذبت رسلي، فحلمت عليهم ليتذكروا من يتذكر، ثم لما جاء أجلهم خربت ديارهم، وغورت ماءهم، وهدمت قصورهم ؛ أفعموا فلم يمشوا في نواحي وجهات الأرض ويعتبروا بآثار الأمم التي سادت ثم بادت، وملكت ثم هلكت، أم أن عيون الأبصار مفتوحة، وعيون البصيرة والاعتبار مغلقة، فإن عمى البصائر هو العمى الذي يردي، مصداقا لوعد المولى الحق :{ ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ) ؛ ولو لم تطمس بصائرهم لكان في مشاهدتهم لأثار من دمروا أبلغ معتبر ومزدجر أن يصيبهم ما أصاب الفجار قبلهم ؛ يقول الحق جل علاه :{ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كانت عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها ) ؛ ولو كانوا يزدجرون، لما استعجلوا نزول العذاب استبعادا لحصوله ووقوعه ونزوله، كالذين رموا رسول الله إليهم بالسفاهة والذب وقالوا ما حكاه القرآن الحكيم :{... فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ) ؛ فوقع عليهم من ربهم الرجس والغضب، وقطع الله دابر هؤلاء المكذبين من قوم هود ـ عليه وعلى نبينا وسائر الأنبياء أزكى صلاة وأفضل تسليم ـ ومن بعدهم قوم صالح عليه السلام، إذ جاءهم بالناقة آية على صدقه في دعوى الرسالة وناداهم وقال :{.. يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ) ؛ لكنهم استحبوا العمى على الهدى، واستعجلوا البطشة الكبرى :{ فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين. فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين ) ؛ ومن قبلهما قوم نوح عليه السلام إذ حلم عليهم وصبر على تكذيبهم وأذاهم ألف سنة إلا خمسين عاما فما ازدادوا من الحق والرشد إلا فرارا ؛ وتلطف في ترغيبهم وترهيبهم فمكروا مكرا كبارا ؛ ومضوا يتواصون بالكفران والفجور والطغيان، وضاقوا بأول أولي العزم من الرسل عليه الصلاة السلام، وتحدوه أن ينزل بهم ما توعدهم الله من بأس فاستعجلوا بما يقطع دابرهم :{ قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ) ؛ وأكابر المجرمين من المشركين أكثروا طلب حلول العذاب الذي أنذروه على لسان خاتم النبيين، واستبعدوا أن يحل بهم بلاء في الدنيا أو في يوم الدين، ولقد حكى عنهم في ست سور مباركات هذا الاستخفاف بقول لم يتبدل :{ ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) ؛ كما دعا شقي من أشقيائهم وكانوا على آثاره مقتدين، فكأنهم جميعا كانوا لذلك راجين :{ وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ).
ولن يخلف الله وعده فإنه سبحانه يحقق ما وعد، وهو على ذلك وعلى كل شيء قدير ؛ وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ومهما أذقناهم من العذاب فإن العذاب الذي ينتظرهم يوم يقوم الناس لرب العالمين أشد وأبقى، واليوم الواحد من أيام خزيهم وحسراتهم وآلامهم في دركات دار ندامتهم وحريقهم لهو في ثقله وطول بلائه كألف سنة من سني الدنيا