ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ ﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫ

٤- وبيان لسبب عدم اعتبارهم واتّعاظهم يتضمن التقريع والتعقيب: فإن قلوبهم هي المتعامية عن الحقيقة المنصرفة عن الحق. ومن كان قلبه كذلك فلا يجدي إبصاره ورؤيته شيئا.
ولم نطلع على مناسبة خاصة للآيات. ولا تحتوي موضوعا مستقلا كما هو واضح. وإنما تعطف الكلام إلى الكفار منددة مذكّرة لهم ومسلّية للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم إزاء موقفهم وتكذيبهم. والطابع المكي عليها وعلى ما بعدها بارز. ويتبادر لنا أنها استئناف واستمرار للكلام الذي سبق الآية [٢٤] وما بعدها، وقد تضمن هذا الكلام موضوعا من مواضيع الدعوة الرئيسية وهو الإنذار بالبعث والتنديد بفئات الناس المنحرفين الذين يتبعون وساوس الشياطين أو يلتمسون مصالحهم الخاصة من وراء الإيمان بالله. ووصفا لمصير الكفار والمؤمنين في الآخرة وأن الآيات [٢٤] وما بعدها قد جاءت بمثابة استطراد سواء أكانت مدنية أو مكية. وهذا مما تكرر في النظم القرآني المكي.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٧ الى ٤٨]
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)
. في الآيتين:
١- حكاية لاستعجال الكفّار عذاب الله الموعد به.
٢- وتوكيد بتحقيق الله وعده بسبيل الردّ عليهم.
٣- وتنبيه بأن اليوم الواحد عند الله مثل ألف سنة عند الناس.
٤- وتذكير للكفار على سبيل الإنذار: فكم من أمم كثيرة قبلهم وقفت موقف البغي والجحود مثلهم فأمهلها الله قليلا ثم أخذها. وإن مصير كل شيء ومرجعه إليه أولا وآخرا.

صفحة رقم 61

والمتبادر أن الآيتين متصلتان بالآيات السابقة سياقا وموضوعا. وأن استعجال الكفار المحكي عنهم هو من قبيل التحدّي. وقد تكرر حكاية ذلك عنهم في السور المكية وتكرر الردّ عليهم بمثل ما احتوته الآيات من إنذار وتذكير وتنديد.
تعليق على جملة وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
جاء هذا التعبير في إحدى آيات سورة السجدة في صدد بيان كون الله تعالى يعرج من الأرض إلى السماء في يوم مقداره ألف سنة. غير أن الجملة هنا قد جاءت لمقصد آخر. ولقد روى المفسرون «١» عن أهل التأويل عدّة أقوال في صددها منها عزوا إلى ابن عباس أنّه اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض. ومنها عزوا إلى عكرمة ومجاهد أنه من أيام الآخرة. وساقوا في التدليل على هذا القول قولا مرويا عن أبي هريرة جاء فيه: «يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم، قيل له وما نصف يوم قال: وما تقرأ القرآن قال بلى قال وإن يوما عند ربّك كألف سنة ممّا تعدّون». وحديثا عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبشروا يا معاشر صعاليك المهاجرين بالنور القادم يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك مقدار خمسمائة سنة». ومنها عزوا إلى ابن عباس أن معنى الجملة هو أن يوما وألف سنة في الإمهال سواء على الله وأن البطيء عندهم قريب عنده وأنه قادر على أخذهم متى شاء لا يفوته شيء بالتأخير، فيستوي في قدرته التأخير والاستعجال. وحديثا أبي هريرة وأبي سعيد لم يردا في كتب الأحاديث الصحيحة. والقول الأخير هو أوجه الأقوال فيما يتبادر لنا. والله أعلم.
وقد انطوى في الآية الثانية ردّ على تحدّيهم: فإذا كان عذاب الله تأخّر عنهم ورأوا أن أسباب القوّة والسلامة توفرت لهم فليس معنى ذلك أن الله قد أخلف

(١) انظر الطبري والبغوي وغيرهما.

صفحة رقم 62

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

محمد عزة بن عبد الهادي دروزة

الناشر دار إحياء الكتب العربية - القاهرة
سنة النشر 1383
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية