ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴ

وليقطع كتاب الله ألسنة المجادلين المبطلين، ويخنق أنفاسهم، ويبطل شبههم، انتزع من حياة الإنسان، التي ينتقل بين أطوارها كل لحظة، ومن حياة النبات، التي يشاهد تحولها كل موسم، دليلين اثنين على قدرته المطلقة، الصالحة في كل آن لكل إنشاء واختراع، والمتمكنة دائما من خرق العوائد وقلب الأوضاع، والتي يعد بعث الإنسان بعد موته، وإنشاؤه نشأة ثانية، أهون الأشياء عليها وأيسرها جميعا، فقال تعالى تعبيرا عن الدليل الأول المنتزع من حياة الإنسان، رفعا لشك الشاكين واحتجاجا عليهم : يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا فمن تفكر في حياته وتدبر، أدرك بفطرته السليمة أن بعث الإنسان ونشأته الثانية أسهل وأيسر، وإن كان الكل في قدرة الله على السواء، إذ لا فرق بين إبداع وإبداع، وإنشاء وإنشاء إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [ يس : ٨٢ ]. وهذا أول دليل يسقط به جدل المجادلين، الذين يجادلون في قدرة الله على بعث الخليقة وحشرها يوم الدين.
و " النطفة " هي ماء الإخصاب الدافق، فإذا كبر حجم النطفة وتعلقت في جدار الرحم سميت " علقة " أخذا من علوق الشيء بغيره إذا تعلق به، و " المضغة " هي قدر ما يمضغ من اللحم، و " المخلقة " تامة الخلق، و " غير المخلقة " غير الكاملة والسقط، وإلى هذه الأطوار نفسها يشير قول الله تعالى في آية أخرى : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين [ المومنون : ١٢، ١٣، ١٤ ]. وقد وقف علم التشريح والأجنة في هذا العصر مبهورا أما ما حدده كتاب الله في شأن ترتيب خلق الجنين، ولم يستطع أن يزيد ولا أن ينقص مما ورد في الذكر الحكيم، من المسميات والمفاهيم ذلك تقدير العزيز العليم [ الأنعام : ٩٦ ].
وقوله تعالى هنا : لنبين لكم كأنه يقول فيما يراه الزمخشري : " إنما نقلناكم من حال إلى حال، ومن خلقة إلى خلقة لنبين لكم بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا، وأن من قدر على خلق البشر من تراب أولا، ثم من نطفة ثانيا ولا تناسب بين الماء والتراب وقدرعلى أن يجعل النطفة علقة- وبينهما تباين ظاهر- ثم يجعل العلقة مضغة، والمضغة عظاما، قادر على إعادة ما أبدأه، بل هذا أدخل في القدرة وأهون في القياس ".
وقوله تعالى هنا : لتبلغوا أشدكم معنى " الأشد " كمال القوة والعقل والتمييز وعنفوان الشباب، وهو من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل لها واحد، و أرذل العمر أخسه وأدونه، وهو الهرم والخرف الذي يصير الإنسان معه ضعيف البنية سخيف العقل، قال أبو حيان : " ولا زمان لذلك محدود، بل ذلك بحسب ما يقع في الناس، وقد نرى من علت سنه وقارب المائة أو بلغها في غاية جودة الذهن والإدراك مع قوة ونشاط، ونرى من هو في سن الاكتهال وقد ضعفت بنيته ".
وإذا كان كتاب الله في الدليل الأول على البعث لم يحل على الرؤية في جميع الأطوار التي يتقلب فيها الإنسان، لأن بعضها لا يقع تحت المشاهدة المباشرة، واكفتى بأن قال : إن كنتم في ريب من البعث [ الآية : ٥ ] فإنه قد أحال على الرؤية في الدليل الثاني إحالة واضحة، فقال تعالى تعبيرا عن الدليل الثاني المنتزع من حياة النبات : وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ، لأن هذا الدليل الثاني مشاهد للأبصار، ولا يتأتى فيه للعين أي جحود أو إنكار وهذا الدليل قد ورد ذكره في القرآن عدة مرات، لكونه من أوضح الدلائل والآيات، ومعنى " هامدة " يابسة لا نبات فيها، ومعنى " اهتزت " تخلخلت الأرض وتحركت، لأجل خروج النبات، ومعنى " ربت " زادت وارتفعت بنفس النبات، والمراد ب " كل زوج بهيج " كل لون يبهج من رآه، من البهجة وهي الحسن.

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير