ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴ

ثم يقول الحق سبحانه :
يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة(١) ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل(٢) العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ( ٥ ) :
قوله : يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث.. ( ٥ ) [ الحج ] :
الريب : الشك. فالمعنى : إن كنتم شاكين في مسألة البعث، فإليكم الدليل على صدقه فإنا خلقناكم من تراب.. ( ٥ ) [ الحج ] : أي : الخلق الأول، وهو آدم عليه السلام، أما جمهرة الناس بعد آدم فخلقوا من ( نطفة ) حية من إنسان حي.
والمتتبع لآيات القرآن يجد الحق- سبحانه وتعالى- يقول مرة في خلق الإنسان : من تراب.. ( ٥ ) [ الحج ]، ومرة من ماء.. ( ٦ ) [ الطارق ]، و من طين.. ( ٢ ) [ الأنعام ]، و من حمأ(٣) مسنون ( ٢٦ ) [ الحجر ]، و من صلصال كالفخار ( ١٤ ) [ الرحمن ] : وهذه التي دعت المستشرقين إلى الاعتراض على أسلوب القرآن، يقولون : من أي هذه الأشياء خلقتم ؟.
وهذا الاعتراض ناشئ من عدم فهم لغة القرآن، فالتراب والماء والطين والحمأ المسنون والصلصال، كلها مراحل متعددة للشيء الواحد، فإذا وضعت الماء على التراب صار طينا، فإن تركت الطين حتى يتخمر، ويتداخل بعضه في بعض حتى لا تستطيع أن تميز عنصرا فيه عن الآخر. وهذا عندما يعطن وتتغير رائحته يكون هو الحمأ المسنون، فإن جف فهو صلصال كالفخار، ومنه خلق الله الإنسان وصوره، ونفخ فيه من روحه، إذن هذه مراحل للشيء الواحد، ومرور الشيء من مراحل مختلفة لا يغيره.
ثم تكلم سبحانه عن الخلق الثاني بعد آدم عليه السلام، وهم ذريته، فقال : ثم من نطفة.. ( ٥ ) [ الحج ] : والنطفة في الأصل هي قطرة الماء العذب، كما جاء في قول الشاعر :
بقايا نطاف أودع الغيم صفوها**** مثقلة الأرجاء زرق الجوانب
ولا تظهر زرقة الماء إلا إذا كان صافيا لا يشوبه شيء، وكذلك النطفة هي خلاصة الخلاصة، لأن جسم الإنسان تحدث فيه عملية الاحتراق، وعملية الأيض أي : الهدم والبناء بصفة مستمرة ينتج عنها خروج الفضلات المختلفة من الجسم : فالبول، والغائط، والعرق، والدموع، وصمغ الأذن، كلها فضلات ناتجة عن احتراق الطعام بداخل الجسم حيث يمتص الجسم خلاصة الغذاء، وينقلها إلى الدم.
ومن هذه الخلاصة يستخلص مني الإنسان الذي تؤخذ منه النطفة، فهو- إذن- خلاصة الخلاصة في الإنسان، ومنه يحدث الحمل، ويتكون الجنين، وكأن الخالق- عز وجل- قد صفاها هذه التصفية ونقاها كل هذا النقاء، لأنها ستكون أصلا لأكرم مخلوقاته، وهو الإنسان.
وهذه النطفة لا تنزل من الإنسان إلا في عملية الجماع، وهي ألذ متعة في وجود الإنسان الحي، لماذا ؟ لو تأملت متعة الإنسان ولذاته الأخرى مثل : لذة الذوق، أو الشم، أو الملمس، فهي لذات معروفة محددة بحاسة معينة من حواس الإنسان، أما هذه اللذة المصاحبة لنزول المني أثناء هذه العملية الجنسية فهي لذة شاملة يهتز لها الجسم كله، ولا تستطيع أن تحدد فيها منطقة الإحساس، بل كل ذرة من ذرات الجسم تحسها.
لذلك أمرنا ربنا- عز وجل- أن نغتسل بعد هذه العملية، لأنها شغلت كل ذرة من ذرات تكوينك، وربما- عند العارفين بالله- لا تغفل عن الله تعالى إلا في هذه اللحظة، لذلك كان الأمر بالاغتسال بعدها، هذا قول العلماء.
أما أهل المعرفة عن الله وأهل الشطح وأهل الفيوضات فيقولون : إن الله خلق آدم من طين، وجعل نسله من هذه النطفة الحية التي وضعها في حواء، ثم أتى منها كل الخلق بعده، فكأن في كل واحد منا ذرة من أبيه آدم، لأنه لو طرأ على هذه الذرة موت ما كان نسل بعد آدم، فهذه الذرة موجودة فيك في النطفة التي تلقيها ويأتي منها ولدك، وهي أصفى شيء فيك، لأنها الذرة التي شهدت الخلق الأول خلق أبيك آدم عليه السلام.
وقد قربنا هذه المسألة وقلنا : لو أنك أخذت سنتيمترا من مادة ملونة، ووضعته في قارورة ماء، ثم أخذت ترج القارورة حتى اختلط الماء بالمادة الملونة فإن كل قطرة من الماء بها ذرة من هذه المادة، وهكذا لو ألقيت القارورة في برميل.. الخ.
إذن : فكل إنسان منا فيه ذرة من أبيه آدم عليه السلام، هذه الذرة شهدت خلق آدم، وشهدت العهد الأول الذي أخذه الله على عباده في قوله تعالى :
وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم.. ( ١٧٢ ) [ الأعراف ].
لذلك، يسمي الله تعالى إرسال الرسل بعثا فيقول : بعث الله رسولا ( ٤١ ) [ الفرقان ] : بعثه : كأنه كان موجودا وله أصل في رسالة مباشرة من الله حين أخذ العهد على عباده، وهم في ظهر آدم عليه السلام، كما يخاطب الرسول بقوله : فذكر إنما أنت مذكر ( ٢١ ) [ الغاشية ] : أي : مذكر بالعهد القديم الذي أخذناه على أنفسنا.
لذلك اقرأ الآية : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا.. ( ١٧٢ ) [ الأعراف ] :
هذا في مرحلة الذر قبل أن يأتي الهوى في النفوس أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ( ١٧٢ ) أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ( ١٧٣ ) [ الأعراف ].
إذن : بعث الله الرسل لتذكر بالعهد الأول، حتى لا تحدث الغفلة، وحتى تقيم على الناس الحجة.
ثم يقول تعالى : ثم من علقة.. ( ٥ ) [ الحج ] : سميت النطفة علقة، لأنها تعلق بالرحم، يقول تعالى في آية أخرى : ألم يك نطفة من مني يمنى ( ٣٧ ) ثم كان علقة فخلق فسوى ( ٣٨ ) [ القيامة ] : فالمني هو السائل الذي يحمل النطفة، وهي الخلاصة التي يتكون منها الجنين، والعلقة هنا هي البويضة المخصبة، فبعد أن كان للبويضة تعلق بالأم، وللحيوان المنوي ( النطفة ) تعلق بالأب، اجتمعا في تعلق جديد والتقيا ليتشبثا بجدار الرحم، وكأن فيها ذاتية تجعلها تعلق بنفسها، يسمونها ( زيجوت ).
ومنها قولهم : فلان هذا مثل العلقة إذا كان ملازما لك.
بعد ذلك تتحول العلقة إلى مضغة ثم من مضغة.. ( ٥ ) [ الحج ] : والمضغة : هي قطعة لحم صغيرة قدر ما يمضغ من الطعام، وهو خليط من عدة أشياء، كما لو أكلت مثلا قطعة لحم مع ملعقة خضار مع ملعقة أرز، وبالمضغ يتحول هذا إلى خليط، ذلك لأن جسم الإنسان لا يتكون من عنصر واحد، بل من ستة عشر عنصرا.
هذه المضغة مخلقة وغير مخلقة.. ( ٥ ) [ الحج ] : معنى مخلقة يعني : يظهر عليها هيكل الجسم، وتتشكل على صورته، فهذه للرأس، وهذه للذراع، وهذه للرجل وهكذا، يعني تخلقت على هيئة الإنسان.
أما غير المخلقة، فقد عرفنا مؤخرا أنها الخلايا التي تعوض الجسم وترقعه إذا أصابه عطب فهي بمثابة ( احتياطي ) لإعادة تركيب ما تلف من أنسجة الجسم وترميمها، كما يحدث مثلا في حالة الجرح فإن تركته لطبيعة الجسم يندمل شيئا فشيئا، دون أن يترك أثرا.
نرى هذا في أولاد الفلاحين، حين يجرح الواحد منهم، أو تظهر عنده بعض الدمامل، فيتركونها لمقاومة الجسم الطبيعية، وبعد فترة تتلاشى هذه الدمامل دون أن تترك أثرا على الإطلاق، لأنهم تركوا الجسم للصيدلية الربانية.
أما إذا تدخلنا في الجرح بمواد كيماوية أو خياطة أو خلافه فلا بد أن يترك أثرا، فترى مكانه لامعا، لأن هذه المواد أتلفت مسام الجسم، لذلك نجد مثل هذه الأماكن من الجسم قد تغيرت، ويميل الإنسان إلى حكها ( وهرشها )، لأن هذه المسام كانت تخرج بعض فضلات الجسم على هيئة عرق، فلما انسدت هذه المسام سببت هذه الظاهرة. هذا كله لأننا تدخلنا في الطبيعة التي خلقها الله.
إذن : فمعنى وغير مخلقة.. ( ٥ ) [ الحج ] : هي الصيدلية التي تعوض وتعيد بناء ما تلف من جسم الإنسان.
ثم يقول سبحانه : لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى.. ( ٥ ) [ الحج ] : أي : نوضح لكم كل ما يتعلق بهذه المسألة ونقر في الأرحام ما نشاء.. ( ٥ ) [ الحج ] : وهي المضغة التي قدر لها أن تكون جنينا يكتمل إلى أن يولد، لذلك قال : إلى أجل مسمى.. ( ٥ ) [ الحج ] : أو نسقطه ميتا قبل ولادته.
فإن قلت : وما الحكمة من خلقه وتصويره، إن كان قد قدر له أن يموت جنينا ؟ نقول : لنعرف أن الموت أمر مطلق لا رابط له ولا سن، فالموت يكون للشيخ كما يكون للجنين في بطن أمه، ففي أي وقت ينتهي الأجل.
وقوله تعالى : ثم نخرجكم طفلا.. ( ٥ ) [ الحج ]، قال : نخرجكم.. ( ٥ ) [ الحج ] : بصيغة الجمع ولم يقل : أطفالا إنما طفلا.. ( ٥ ) [ الحج ] : بصيغة المفرد، لماذا ؟ قالوا : في اللغة ألفاظ يستوي فيها المفرد والجمع، فطفل هنا بمعنى أطفال، وقد وردت أطفال في موضع آخر في قوله سبحانه : وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم(٤).. ( ٥٩ ) [ النور ].
وكما تقول : هذا رجل عدل، ورجال عدل. وفي قصة سيدنا إبراهيم- عليه السلام- يتكلم عن الأصنام فيقول : فإنهم عدو لي.. ( ٧٧ ) [ الشعراء ]، ولم يقل : أعداء. وحينما تكلم عن ضيفه قال : هؤلاء ضيفي.. ( ٦٨ ) [ الحجر ]، ولم يقل : ضيوفي. إذن : المفرد هنا يؤدي معنى الجمع.
ثم يقول سبحانه : ثم لتبلغوا أشدكم.. ( ٥ ) [ الحج ] : وهكذا، ينقلنا السياق من الطفولة إلى المرحلة النهائية من عمر الإنسان، وسبق أن تحدثنا عن مراحل عمر الإنسان، وأنه يمر بمرحلة الرشد : رشد البنية حين يصبح قادرا على إنجاب مثله، ورشد العقل حين يصبح قادرا على التصرف السليم، ويحسن الاختيار بين البدائل.
ثم تأتي مرحلة الأشد : حتى إذا بلغ أشده.. ( ١٥ ) [ الأحقاف ] : يعني : نضج نضجا من حوادث الحياة أيضا.
ثم يقول تعالى : ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر.. ( ٥ ) [ الحج ] : وأرذل العمر يعني رديئه، حين تظهر على الإنسان علامات الخور والضعف، لكيلا يعلم من بعد علم شيئا.. ( ٥ ) [ الحج ] : لأنه ينسى، وعندها يعرف أن صحته وقوته وسلطانه ليست ذاتية فيه، إنما موهوبة له من الله.
وإذا بلغ الرجل أرذل العمر يعود من جديد إلى مرحلة الطفولة تدريجيا، فيحتاج لمن يأخذ بيده ليقوم أو ليمشي، كما تأخذ بيد الطفل الصغير، فإذا تكلم يتهته ويتلعثم كالطفل الذي يتعلم الكلام.. وهكذا في جميع شؤونه.
لذلك يقولون : الزواج المبكر أقرب طريق لإنجاب ( والد ) يعولك في طفولة شيخوختك، ولم يقل : ولدا، لأنه سيقوم معك فيما بعد بدور الوالد، يقولون : لحق والده يعني سنهما متقارب.
لكن، لماذا يرد بعضنا إلى أرذل العمر دون بعض ؟ الحق سبحانه جعلها نماذج حتى لا نقول : يا ليت أعمارنا تطول، لأن أعمار الجميع لو طالت إلى أرذل العمر لأصبح الأمر صعبا علينا، فمن رحمة الله بنا أن خلق الموت.
ثم يقول تعالى : وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ( ٥ ) [ الحج ] : أي : كما كان خلق الإنسان من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة، ثم أخرجه طفلا، وبلغ أشده، ومنهم من مات، ومنهم من يرد إلى أرذل العمر، كذلك الحال في الأرض : وترى الأرض هامدة.. ( ٥ ) [ الحج ] :
هامدة : ساكنة، ومنه قولنا للولد كثير الحركة : اهمد { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت.

١ - النطفة: الماء الصافي، وتطلق في القرآن على ماء الرجل أو المرأة الذي يخلق منه الولد.
العلقة: الدم الجامد الغليظ الذي يعلق بما يمسه. والمضغة: القطعة من اللحم تمضغ لتماسكها. ومخلقة: أي مضغة مشكلة ومصورة على هيئة طفل. وغير مخلقة: أي غير مشكلة، أي غير تامة التصوير [القاموس القويم للقرآن الكريم]..

٢ - هو: الهرم والخرف حتى لا يعقل. [تفسير القرطبي ٦/٤٥٤٤]..
٣ - الحمأ والحمأة: الطين الأسود. والمسنون: المصبوب في قالب إنساني أو مصور بصورة إنسان أو طين كالفخار صالح للتصوير والصقل. [القاموس القويم ١/٣٣١]..
٤ - حلم الصبي يحلم حلما: بلغ مبلغ الرجال. [القاموس القويم ١/١٦٩]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير