ﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

قوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي... إلى قوله تعالى : فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته :
استدل بعض الناس بقوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي على أن كل نبي رسول وكل رسول نبي لأنه تعالى أطلق الرسالة عليهما جميعا. فقال : وما أرسلنا ١والذي عليه الجمهور أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسول ورأوا أن الرسالة فيهما تختلف وأنها جاءت في الآية مبهمة. ورسالة الرسول الوحي ورسالة النبي إيقاع الشيء في نفسه دون وحي. وقوله تعالى : إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته اختلف في معنى تمنى فقيل أراد، والأمنية الإرادة، والمعنى أن الشيطان ألقى ألفاظه بسبب ما تمناه رسول الله صلى الله عليه وسلم من معاينة قومه وكونهم متبعين له. قالوا فلما تمنى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ما لم يقضه الله تعالى وجد الشيطان السبيل فألقى ما ألقى من اللفظ. وسيأتي تفسيره. وقيل تمنى : تلا، والأمنية التلاوة. وقال تمنى/ كتاب الله تعالى أول ليلة وآخره لاقى حمام المقدر. وقيل تمنى والأمنية الحديث. ومعنى ألقى في حديثه أي في تطوره وخاطره ما توهمه أنه صواب ثم نبهه الله تعالى على ذلك. والذي ألقاه الشيطان في أمنيته صلى الله عليه وسلم أنه حين قرأ : والنجم [ النجم : ١ ] في مسجد مكة قد حضر المسلمون والمشركون حتى بلغ إلى قوله تعالى : أفرأيتم اللات والعزى ( ١٩ ) ومناة الثالثة الأخرى ( ٢٠ ) [ النجم : ١٩، ٢٠ ] فألقى الشيطان : تلك الغرانقة الأولى وأن شفاعتهم لترتجى. فقال الكفار هذا محمد قد ذكر آلهتها بما يزيد وفرحوا بذلك فلما انتهى إلى السجدة سجد الناس أجمعون إلا أمية بن خلف ٢ فإنه أخذ قبضة من تراب فرفعها إلى جبهته وقال : يكفيني هذا. وقيل هو الوليد بن المغيرة ٣ وقيل هو أبو أحيحة سعيد بن العاص. ثم اتصل الخبر ٤ بمهاجرة الحبشة ٥ أن أهل مكة اتبعوا محمدا ففرحوا بذلك. فأقبل بعضهم فوجد ألقية الشيطان قد نسخت وأهل مكة قد وقعوا في فتنة. واختلف في صورة الإلقاء، فالذي عليه الأكثر أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بتلك الألفاظ وأن الشيطان أوهمه حتى خرجت على لسانه. وروي أن جبريل عليه السلام نزل بعد ذلك فدارسه والنجم فلما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له جبريل : لم آتك بهذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " افتريت على الله وقلت ما لم يقل " فتفجع واغتم، فنزلت الآية. وذهب قوم إلى أن هذا لا يجوز عليه صلى الله عليه وسلم قالوا : وإنما الأمر أن الشيطان نطق بلفظ أسمعه الكفار عند قوله : أفرأيتم اللات والعزى ( ١٩ ) ومناة الثالثة الأخرى ( ٢٠ ) وقرب صوته من صوت النبي صلى الله عليه وسلم حتى التبس الأمر على المشركين وقالوا قرأها محمد، ونحو هذا قد روي عن أبي المعالي ٦. وقال ابن حزم ٧ : الحديث الذي فيه : " وأنهن لهن الغرانيق العلا وأن شفاعتهم لترتجى " كذب بحت لم يصح نقله فلا معنى للاشتغال به. وقوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته الآية، فإن المراد به الأماني الواقعة في النفس. وقد تمنى النبي صلى الله عليه وسلم إسلام عمه أبي طالب ولم يرد الله عز وجل أن يسلم. وتمنى غلبة العدو يوم أحد ولم يرد الله تعالى ذلك. فهذه هي الأماني التي ذكرها الله تعالى ٨.
قلت وقد احتج بالآية والحديث من يجيز وقوع المعاصي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا حجة فيه لضعفه وما تحمل الآية من التأويل، والنسخ في هذا الموضع الإزالة.

١ نسب الفخر هذا القول إلى المعتزلة. راجع التفسير الكبير ٢٣/ ٤٩..
٢ أمية بن خلف بن وهب بن حذافة، من سادات قريش وزعمائهم، زمن الذين نصبوا العداوة للرسول صلى الله عليه وسلم. توفي مشركا يوم بدر. انظر البداية والنهاية ٣/ ٤٣..
٣ الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن لؤي، أبو خالد من الذين أظهروا العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. توفي بمكة في السنة الأولى للهجرة. انظر سيرة ابن هشام ١/ ٢٧٠..
٤ "الخبر" كلمة ساقطة في غير (ج)، (ح)..
٥ في غير (ج)، (ح): "الجيش"..
٦ أبو المعالي هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد، أبو المعالي الملقب بإمام الحرمين من أصحاب الشافعي عالم وفقيه. توفي سنة ٤٧٨ هـ/ ١٠٨٥م. انظر وفيات الأعيان ١/٢٨٧..
٧ ابن حزم: هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم القرطبي. أحد أئمة الإسلام. كان له أتباع في الأندلس يدعون بالحزمية. انظر وفيات الأعيان ١/ ٧٢٨، والصلة ص ٤٠٨..
٨ راجع القصة ومختلف الأقوال فيها خاصة في التفسير الكبير ٢٣/ ٤٨ – ٥١، أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٨٣، ٨٤، أسباب النزول للواحدي ص ٢٣٢، ٢٣٣، المحرر الوجيز ١١/ ٢١٠ – ٢١٣، الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٧٩ – ٨٦..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير