وما أرسلنا من قبلك من رسول... المراد بالرسول : من بعث بكتاب. وبالنبي : من بعث بغير
كتاب. أو بالأول من بعث بشرع جديد. وبالثاني : من بعث لتقرير شرع من قبله. والمراد بالتمني : التمني والتلاوة. وأصله نهاية التقدير ؛ على ما قال أبو مسلم. وأطلق على القراءة لأن التالي يقدر الحروف ويتصورها فيذكرها شيئا فشيئا. والمعنى على ما ذكره العلامة الألوسي : " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى " أي تلا على قومه الآيات المرسل بها للدعوة إلى التوحيد، ونبذ ما هم عليه من الشرك. ألقى الشيطان شبها وتحيلات باطلة، واحتمالات فاسدة في أمنيته في هذه الآيات المتلوة لإغوائهم، وحملهم على مجادلته بالباطل، وقد قال : " لاغوينهم أجمعين " ١، كما قال تعالى : " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم " ٢، وقال سبحانه : " وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا " ٣.
وهذا كقولهم عند سماع آية " حرمت عليكم الميتة " ٤ : إن محمدا يحل ذبيحة نفسه ويحرم ذبيحة الله تعالى، وقولهم عند سماع آية " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم " ٥ : إن عيسى والملائكة عبدوا من دون الله، ومحو ذلك. فينسخ الله ما يلقى الشيطان أي يزيله من بعض القلوب بإنزال ما يبطله حتى لا يبقى فيها أثر للشك والزيغ فتؤمن بما جاء به الرسول ثم يحكم الله آياته يأتي بها محكمة مثبتة لا تقبل الرد ؛ فلا يتطرق إلى قلوبهم شك فيها. والله عليم حكيم
٢ آية١٢١ الأنعام..
٣ آية١١٢ الأنعام.
٤ آية٣ المائدة..
٥ آية٩٨ الأنبياء..
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف