ﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣ

وعلى هذا ليس المراد بالتعجيز النسبة إلى العجز، والمراد به طلب عجزهم (١) وجعلهم عاجزين بالتثبيط وأسبابه؛ كي يعجزوا فلا يؤمنوا.
ثم أخبر عن هؤلاء أنّهم أصحاب النار بقوله: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ.
٥٢ - قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ الرسول: الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه عيانًا، ومحاورته إيَّاه (٢) شفاهًا. والنبي: الذي (٣) تكون نبوته إلهامًا أو منامًا. فكلّ رسول نبيّ، وليس كل نبي رسولاً (٤).

(١) أي: عجزهم الناس.
(٢) في (أ): (ومجاورته إياها)، وهو خطأ.
(٣) في (ظ): (التي).
(٤) هذا كلام الثعلبي في "الكشف والبيان" ٣/ ٥٥ أمع اختلاف يسير. وقد اختلف في الفرق بين الرسول والنبي على أقوال:
أحدها: ما ذكره المؤلف.
الثاني: أن النبي الرسول هو من أنزل عليه كتاب وشرع مستقل يدعو الناس إليه، والنبي المرسل -الذي هو غير الرسول- هو من لم ينزل عليه كتاب وإنما أوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون ويؤمرون بالعمل بما في التوراة كما قال تعالى: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا [المائدة: ٤٤].
الثالث: أن الرسول هو الذي أرسله الله تعالى، وهو مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه، والنبي هو المنبأ عن الله، فالله ينبئه بالغيب، وهو ينبئ الناس بالغيب. وقريب من هذا القول قول من قال: النبي هو من أوحي إليه وحي ولم يؤمر بتبليغه، والرسول هو النبي الذي أوحي إليه وأمر بتبليغ ما أوحي إليه.
وهذا الأخير أضعف الأقوال، قال الشنقيطي ٥/ ٧٣٥ معللًا عدم صحة هذا القول-: لأن قوله وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ الآيه يدل على أن=

صفحة رقم 451

وهذا معنى قول الفراء: الرسول: النبي المرسل، والنبي: المحدَّث (١) الذي لم يرسل (٢).
قوله: إِلَّا إِذَا تَمَنَّى قال ابن عباس -في رواية عطاء- إلا إذا قرأ (٣) وهذا معنى قول المفسرين: تلا (٤) وقال مجاهد: إذا قال (٥).
وذكرنا التَّمنّي بمعنى التلاوة والقراءة مستقصى بذكر الحجج (٦) في سورة البقرة عند قوله: إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة: ٧٨].
قوله: أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أي: تلاوته.
قال المفسرون -بألفاظ مختلفة ومعاني متفقة-: إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان حريصًا على إيمان قومه أشد الحرص، فجلس يومًا في ناد من أنديتهم (٧)، وقرأ عليهم سورة النجم (٨)، فلما أتى على قوله أَفَرَأَيْتُمُ

= كلًا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير.
وانظر: "النكت والعيون" للماوردي ٤/ ٣٦، "تفسير الرازي" ٢٣/ ٤٦، "فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" ١٨/ ٧، "روح المعاني" للألوسي ١٧/ ١٧٢ - ١٧٣، "أضواء البيان" للشنقيطي ٥/ ٧٣٥.
(١) المحدث: هو الملهم. "لسان العرب" ٢/ ١٣٤ (حدث).
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٢٩.
وقوله عن النبي أنه الذي لم يرسل يردُّه كما تقدم قوله {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ الآية.
(٣) روى البخاري في "صحيحه" ٨/ ٤٣٨ تعليقًا، والطبري في "تفسيره" ١٧/ ١٩٠ من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله (إذا تمنى) إذا حدث.
(٤) انظر: الطبري ١٧/ ١٩٠، الثعلبي ٣/ ٥٥ أ، "الدر المنثور" ٦/ ٦٩.
(٥) رواه الطبري ١٧/ ١٩٠.
(٦) في جميع النسخ: (الحج)، والصواب ما أثبتناه.
(٧) في (أ): (أيديهم)، وهو خطأ.
(٨) في (د)، (ع): (سورة والنجم).

صفحة رقم 452

اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} [النجم: ١٩، ٢٠] ألقى الشيطان في أمنيته حتى وصل به "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي" ثم قرأ السورة كلها حتى بلغ آخرها، فسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وسجد أصحابه معه، وسجد المشركون لذكره (١) آلهتهم، وفرحوا بذلك، وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، فأتاه (٢) جبريل -عليه السلام-، وأخبره بما جرى من الغلط على لسانه، وقال: معاذ الله أن أكون أقرأتك هذا. فاشتد ذلك على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأنزل الله هذه الآية، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه، فقال المشركون: قد ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله، وازدادوا شرًّا إلى ما كانوا عليه، وأما المؤمنون فقالوا -حين نسخ الأولى-: آمنا بما قال محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهذا قول ابن عباس (٣)،

(١) في (أ): (لذكر).
(٢) في (د)، (ع): (فأتى).
(٣) ورد هذا القول عن ابن عباس من طرق، وكلها لا تخلو من مقال.
الطريق الأول: طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس: رواه أبو بكر البزار في "مسنده" (كما في "كشف الأستار عن زوائد البزار" للهيثمي ٣/ ٧٢)، والطبراني في "الكبير" ١٢/ ٥٣ من طريق أميَّة بن خالد، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -فيما أحسب، أشك في الحديث-: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان بمكة، فقرأ سورة النجم حتى انتهى إلى قوله: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى فجرى على لسانه -وفي رواية الطبراني: ألقى الشيطان على لسانه- تلك الغرانيق العلي فذكره بنحوه مختصرًا.
ثم قال البزار: لا نعلمه يروى بإسناد متصل يجوز ذكره إلا بهذا الإسناد، وأميّة بن خالد ثقة مشهور، وإنما يعرف هذا من حديث الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس. اهـ.

صفحة رقم 453

.........................

= قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٧/ ١١٥: رواه البزار والطبراني... ورجالهما رجال الصحيح.
وذكره السيوطي في "الدر" ٦/ ٦٥ وزاد نسبته لابن مردويه، وقال: بسند رجاله ثقات.
وتعقَّب الألباني في "نصب المجانيق" ص ٦، قول السيوطي: "بسند رجاله ثقات"، فقال ذلك يوهم أنَّه ليس بمعلول، وهذا خلاف الواقع، فإنَّه معلول بتردَّد الراوي في وصله. اهـ.
وذكر ابن كثير في "تفسيره" ٣/ ٢٢٩ رواية البزار، وقبل أن يسوقها قال: ولم أرها -يعني قصة الغرانيق- مسندة من وجه صحيح.
وجاءت هذه الرواية عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس دون شك من الراوي في وصله، رواها ابن مردويه في "تفسيره" (كما في تخريج "أحاديث الكشاف" للزيلعي ٢/ ٣٩٤، من طريق أبي بكر محمد بن علي المقرئ البغدادي، ثنا عثمان بن الطيالسي، ثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة، ثنا أبو عاصم النبيل، ثنا عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قرأ. فساق الحديث. قال الألباني في "نصب المجانيق" ص ٨ - ٩: (وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال "التهذيب" إلا من دون ابن عرعرة، ليس فيهم من ينبغي النظر فيه غير أبي بكر محمد بن علي المقرئ البغدادي. وقد أورده الخطيب في "تاريخ بغداد"... ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا، فهو علة هذا الإسناد الموصول.
ثم ذكر الألباني أن الصواب عن عثمان بن الأسود إنما هو عن سعيد بن جبير مرسلاً كما رواه الواحدي في "أسباب النزول" ص ٢٥٦ - ٢٥٧، خلافا لرواية ابن مردويه عنه. ثم قال الألباني: وبالجملة، فالحديث مرسل، ولا يصح عن سعيد بن جبير موصولا بوجه من الوجوه. اهـ.
وقد تقدَّم كلام ابن كثير أنه لم ير هذه القصة مسندة من وجه صحيح.
الطريق الثاني: طريق العوفي، عن ابن عباس:
رواه من هذا الطريق الطبري ١٧/ ١٨٩ قال: حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره بمعناه. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٦٦ من طريق العوفي، عن ابن عباس، =

صفحة رقم 454

والسدي (١)، ومجاهد (٢)، وقتادة (٣)، والزهري (٤)،

= وعزاه لابن جرير وابن مردويه.
قال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على "الطبري" ١/ ٢٦٣ عن هذا الإسناد: وهو إسناد مسلسل بالضعفاء. وقال الألباني: وهذا إسناد ضعيف جدًا، مسلسل بالضعفاء. "نصب المجانيق" ص ١٧.
الطريق الثالث والرابع والخامس:
فرواه ابن مردويه كما في "تخريج أحاديث الكشاف" ٢/ ٣٩٤، "فتح الباري" ٨/ ٤٣٩، "الدر المنثور" للسيوطي ٦/ ٦٦ من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ومن طريق أبي بكر الهذلي وأيوب عن عكرمة عن ابن عباس، ومن طريق سليمان التيمي عمن حدثه عن ابن عباس رضي الله عنه: أن رسول -صلى الله عليه وسلم- قرأ سورة النجم. وساق الحديث.
قال ابن حجر في "الفتح" ٨/ ٤٣٩ بعد سوقه لهذه الطرق الثلاث ورواية سعيد بن جبير المرسلة -وستأتي- وغيرها: وكلّها سوى طريق سعيد بن جبير إمَّا ضعيف أو منقطع. وقال الألباني في "نصب المجانيق" ص ١٧ عن هذه الطرق الثلاث: وكلها ضعيفة.
(١) رواه ابن أبي حاتم (كما في "الدر المنثور" ٦/ ٦٩ عن السدي قال:
خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المسجد ليصلي، فقرأ وساق الحديث بمعناه، وهو مرسل.
(٢) رواه عبد بن حميد كما في "الدر المنثور" ٦/ ٦٩ عنه، مختصرًا.
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٤٠، والطبري ١٧/ ١٩١.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٨٦ وعزاه لابن أبي حاتم فقط.
قال الألباني في "نصب المجانيق" ص ١٢: وهو صحيح إلى قتادة، ولكنه مرسل أو معضل.
(٤) رواه ابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" ٣/ ٢٢٩ - ٢٣٥، و"الدر المنثور" للسيوطي ٦/ ٦٦ عن الزهري مطولاً.
قال الألباني في "نصب المجانيق" ص ٩: فهو مرسل، بل معضل. اهـ
ورواه الطبري ١٧/ ١٨٩ عن ابن شهاب: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فذكره مختصرًا. =

صفحة رقم 455

والضحاك (١)، وسعيد بن جبير (٢)، ومحمد بن كعب (٣) وغيرهم (٤).

= وذكر ابن حجر في "فتح الباري" ٨/ ٤٣٩ هذه الرواية وذكر أنها مرسلة وأنّ رجال إسنادها على شرط الشيخين.
وقال السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ٦٦ - بعد عزوه هذه الرواية لعبد بن حميد وابن جرير: مرسل صحيح الإسناد.
قال الألباني في "نصب المجانيق" ص ٩: وإسناده إلى أبي بكر بن عبد الرحمن صحيح كما قال السيوطي تبعًا للحافظ، لكن علته أنّه مرسل.
(١) رواه الطبري ١٧/ ١٨٩ قال: حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي..) الآية: أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- وهو بمكة، فذكره بنحوه. قال الألباني في "نصب المجانيق" ص ١٥: (وهذا إسناد ضعيف منقطع مرسل).
(٢) رواه الطبري ١٧/ ١٨٨ - ١٨٩، وابن أبي حاتم وابن المنذر كما في "فتح الباري" ٨/ ٤٣٩، "الدر المنثور" ٦/ ٦٥ - ٦٦ من طرق عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد ابن جبير. وقد صحح إسناده ابن حجر في "الفتح" والسيوطي في "الدر المنثور"، وقال الألباني في "نصب المجانيق" ص ٥: (وهو صحيح الإسناد إلى ابن جبير كما قال الحافظ. اهـ. ورواه الواحدي في "أسباب النزول" ص ٢٥٧ من طريق يحيى القطان، عن عثمان بن الأسود، عن سعيد بن جبير، بنحوه مختصرًا.
(٣) رواه الطبري ١٧/ ١٨٧ - ١٨٨ من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد المدني، عن محمد بن كعب القرظي، فذكره مطولاً.
قال الألباني في "نصب المجانيق" ص ١٢: ويزيد هذا ثقة، لكن الراوي عنه ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه. اهـ.
وقد رواه الطبري ١٧/ ١٨٦ - ١٨٧ من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب ومحمد بن قيس قالا... فذكره بنحوه.
قال الألباني ص ١١: وأبو معشر ضعيف كما قال الحافظ في "التقريب".
(٤) ورد هذا القول أيضًا عن أبي العالية، وعروة بن الزبير.
فأمّا قول أبي العالية فرواه الطبري ١٧/ ٤٣٩، وذكره السيوطي في "الدر المنثور": =

صفحة رقم 456

.........................

= ٦/ ٦٨، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم، وقال: بسند صحيح. وذكر ابن حجر في "الفتح" ٨/ ٤٣٩ أن رجال إسناده رجال الصحيحين.
وقال الألباني في "نصب المجانيق" ص ١١: وإسناده صحيح إلى أبي العالية، لكن علته الإرسال.
ورواية عروة بن الزبير رواها الطبراني في "المعجم الكبير" ٩/ ٢٣ وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٧/ ٧٢: فيه ابن لهيعة، ولا يحتمل هذا من ابن لهيعة.
وهذه الرواية المعروفة بقصّة الغرانيق اختلف العلماء فيها، وهم فريقان:
الفريق الأول: القائلون بثبوتها؛ وهم على قولين:
القول الأول: أن الشيطان ألقى على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تلك الكلمات، ثم إنَّ الله أحكم آياته ودحر الشيطان ولقَّن نبيه حجته.
وممن صحت عنه الرواية ممن قال بهذا القول من المفسرين: سعيد بن جبير وقتادة وأبي العالية. وبهذه القصة فسر هؤلاء آيات الحجّ.
وتبعهم في ذلك طائفة من المفسرين ذكروا هذه القصة في كتبهم ولم ينكروها، وبها فَسَّروا الآيات، منهم: الطبري، والثعلبي، والواحدي، والزمخشري.
وحكى الآلوسي ١٧/ ١٧٨ هذا القول عن بعض المتأخرين، فقال: وذهب إلى صحة القصّة أيضًا خاتمة المتأخرين الشيخ إبراهيم الكوراني ثم المدني.
القول الثاني: أنَّ هذه القصّة ثابتة، لكنَّ فيها ما يستنكر وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه.. فيتعين تأويله.
قال الآلوسي ١٧/ ١٨٦: وتوسَّط جمع في أمر هذه القصّة فلم يثبتوها كما أثبتها الكوراني -عفا الله تعالى عنه- من أنَّه -صلى الله عليه وسلم- نطق بما نطق عمدًا معتقدًا للتلبيس أنه وحي حاملاً له على خلاف ظاهره، ولم ينفوها بالكلية كما فعل أجلة أثبات وإليه أميل، بل أثبتوها على وجه غير الوجه الذي أثبته الكوراني، واختلفوا فيه على أوجه.... ثم ذكر الآلوسي هذه الأوجه، وخلاصة ما ذكره -وذكره قبله البغوي ٥/ ٩٤، والقاضي عياض في الشفا ٤/ ١٦٣ - ١٧٧، وابن حجر في "الفتح" ٨/ ٤٣٩ - ٤٤٠:-
قيل: جرف ذلك على لسانه -صلى الله عليه وسلم- حين أغفى إغفاءه وهو لا يشعر. وقد ردَّ هذا القول القاضي عياض.
وقيل: لعل النبي -صلى الله عليه وسلم- قاله أثناء تلاوته على تقدير التقريع والتوبيخ للكفّار، وأنَّه ليس =

صفحة رقم 457

.........................

= من القرآن، بل قاله بعد السكت، ثم رجع إلى تلاوته.
وقيل: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما وصل إلى قوله (ومناة الثالثة الأخرى) خشي المشركون أن يأتي بعدها بشئ يذم الهتهم به، فبادروا إلى ذلك الكلام فخلطوه في تلاوة النبي -صلى الله عليه وسلم- على عادتهم في قولهم: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه) ونسب ذلك إلى الشيطان لأنه الحامل لهم على ذلك، أو المراد بالشيطان شيطان الإنس، وأن المشركين أشاعوا ذلك وأذاعوه وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قاله، فحزن لذلك من كذبهم وافترائهم عليه، فسلاه الله بقوله: "وما أرسلنا من قبلك.... " الآية، وبين للناس الحق من ذلك الباطل.
وقيل: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يرتل القرآن، ارتصده الشيطان في سكته من السكتات، ونطق بتلك الكلمات محاكيا نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله وأشاعها.
وقال ابن حجر من هذا الوجه أنه أحسن الوجوه.... اهـ.
ولا يخفى أن هذه أوجه متكلفة تحتاج إلى دليل، ولذا قال الألوسي عنها ٧/ ١٨٦: وكلها عندي مما لا ينبغي أن يلتفت إليها.
وممن ذهب إلى هذا القول -يعني تصحيح القصة من تأويل ما يستنكر فيها- الحافظ ابن حجر، وتبعه السيوطي، والمناوي في الفتح السماوي ٢/ ٤٨٣ - ٨٤٧.
قال ابن حجر في "فتح الباري" ٨/ ٤٣٩ - بعد أن ذكر روايات القصّة عن ابن عباس وسعيد بن جبير-: وكلها سوى طريق سعيد بن جبير -يعني المرسل- إما ضعيف وإمَّا منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصّة أصلا، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما رجال الصحيح.
ثم ذكر الحفاظ ابن حجر رواية الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن ورواية أي العالية، ثم نقل كلامًا لأبي بكر بن العربي والقاضي عياش في إبطال هذه القصّة، ثم قال: "وجميع ذلك لا يتمشّى على القواعد؛ فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دَلَّ ذلك على أنَّ لها أصلاً، وقد ذكرت أن تلاوته أسانيد منها على شرط الصحيح وهي مراسيل يحتج بمثلها ممن يحتج بالمرسل وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض، وإذا تقرَّر ذلك تعيَّن تأويل ما وقع فيها مما يستنكر".
وقد ردَّ الألباني في كتابه "نصب المجانيق" ص ١٩ - ٢٤ على الحافظ ابن حجر اعتماده في تصحيحه لهذه الرواية على كثرة الطرق عن ابن عباس إضافة إلى ما =

صفحة رقم 458

.........................

= صح من المراسيل عن بعض التابعين، وحاصل ردّه:
أولاً: أنَّ قاعدة تقوية الحديث بكثرة الطرق ليست على إطلاقها، كما نبه على ذلك غير واحد من علماء الحديث المحققين منهم الحافظ أبو عمرو من الصلاح حيث بين أنّه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت فمن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك لقوة الضعف كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهمًا بالكذب، أو كون الحديث شاذًا.
قال الألباني ص ٢١: ومن هذا القبيل حديث ابن عباس في هذه القصّة، فإن طرقه كلها ضعيفة جدًا، فلا تقوى بها أصلاً.
ثانيًا: أن الحديث المرسل، ولو كان المرسل ثقة، لا يحتج به عند أئمة الحديث كما بينه ابن الصلاح واختاره الخطيب وابن حجر وغيرهم، وسبب عدم احتجاج المحدثين بالمرسل من الحديث هو جهالة الواسطة التي روي عنها المرسلُ الحديث، فقد يكون المحذوف صحابيًا، ويحتمل أن يكون تابعيًا، وعلى الاحتمال الثاني يحتمل أن يكون ضعيفًا ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الاحتمال الثاني يحتمل أن يكون حمل على صحابي ويحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر، وعلى الثاني يعود الاحتمال السابق ويتعدد. وأكثر ما وجد بالاستقراء من رواية بعض التابعين عن بعض ستة أو سبعة.
لكن بعض العلماء كالشافعي رحمه الله وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية قبل المرسل إذا اعتضد بمجيئه من وجه آخر بشرط أن يكون مُرْسلة آخذ العلم عن غير رجال التابعي الأول، وكأن ذلك ليغلب على الظن أنَّ المحذوف في أحد المرسلين هو غيره في المرسل الآخر.
قال الألباني ص ٢٣: ومع أن التحقق من وجود هذا الشرط في كل مرسل من هذا النوع ليس بالأمر الهين، فإنه لو تحققنا من وجوده، فقد يرد إشكال آخر، وهو أنه يحتمل أن يكون كل من الواسطتين أو أكثر ضعيفًا، وعليه يحتمل أن يكون ضعفهم من النوع الذكر ينجبر بمثله الحديث... ويحتمل أن يكون من النوع الآخر الذي لا يقوى الحديث بكثرة طرقه... إلى أن قال ص ٢٤: إننا لو ألقينا النظر على روايات هذه القصة، ألفيناها كلها مرسلة، حاشى حديث ابن عباس ولكن طرقه كلها واهية شديدة الضعف لا تنجبر بها تلك المراسيل، فينبغي النظر في هذه =

صفحة رقم 459

.........................

= المراسيل، وهي سبعة، صحَّ إسناد أربعة منها، وهي مرسل سعيد بن جبير وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وأبي العالية، ومرسل قتادة، وهي مراسيل يرد عليها أحد الاحتمالين السابقين لأنَّهم من طبقة واحدة: فوفاة سعيد بن جبير سنة (٩٠ هـ)، وقتادة سنة بضع عشرة ومائة، والأول كوفي، والثاني مدني، والأخيران بصريان. فجائز أن يكون مصدرهم الذي أخذوا منه هذه القصّة وروها عنه واحدًا لا غير مجهول، وجائز أن يكون جمعًا ولكنهم ضعفاء جميعًا.
فمع هذه الاحتمالات لا يمكن أن تطمئن النفس لقبول حديثهم هذا، لا سيما في مثل هذا الحدث العظيم الذي يمسَّ المقام الكريم، فلا جرم تتابع العلماء على إنكارها، بل التنديد ببطلانها. اهـ
الفريق الثاني: القائلون ببطلانها.
وهؤلاء قالوا: هذه الرواية معلولة بالضعف والإرسال، فليس في رواياتها ما يصلح للاحتجاج، ثم أن مما يؤكد ضعفها وبطلانها ما في متنها من النكارة مما لا يليق بمقام النبوة والرسالة، فقد جاء في تلك الروايات أن الشيطان تكلَّم على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم- بتلك الكلمات التي تمدح آلهة المشركين.
وهذا الأمر قد دل الكتاب والسنّة والنظر على بطلانه.
فأما القرآن فدل على بطلانه من جهتين:
الجهة الأولى: دلالة آيات القرآن على وجه العموم على بطلان هذا القول، فقد قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]، وقال تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤١ - ٤٢]، وقال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢]، وقال تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ٣ - ٤].
فهذه الآيات وغيرها دالة على بطلان القول بإلقاء الشيطان على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم- تلك المقالة.
وقال الشنقيطي -رحمه الله- في "أضواء البيان" ٥/ ٧٢٩: قد دلَّت آيات قرآنية على بطلان هذا القول، وهي الآيات الدالة على أن الله لم يجعل للشيطان سلطانًا على النبي -صلى الله عليه وسلم- وإخوانه من الرسل وأتباعهم المخلصين كقوله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ =

صفحة رقم 460

.........................

= سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: ٩٩]، وقوله: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر: ٤٢]... وعلى القول المزعوم أنَّ الشيطان ألقى على لسانه -صلى الله عليه وسلم- ذلك الكفر البواح، فأي سلطان أكبر من ذلك؟.
الثانية: أن سياق آيات النجم على وجه الخصوص يدل على بطلان هذا القول: قال القاضي عياض ٤/ ١٥٣ - ١٥٤: هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك، وهذا مما لا يخفى على أدنى متأمِّل، فكيف بمن رجح حُلمه، واتّسع في باب البيان ومعرفة الكلام علمه؟.
وقد بين الشنقيطي ٥/ ٧٢٩ هذا الوجه بقوله: وهذا القول الذي زعمه كثير من المفسرين وهو أن الشنقيطي ٥/ ٧٢٩ هذا الوجه بقوله: وهذا القول الذي زعمه كثير من المفسرين وهو أن الشيطان ألقى على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الشرك الأكبر والكفر البواح -الذي لا شك في بطلانه- في نفس سياق آيات النجم التي تخللها إلقاء الشيطان المزعوم قرينة واضحة على بطلان هذا القول؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ بعد موضع الإلقاء المزعوم بقليل: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ وليس من المعقول أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يسب آلهتهم هذا السب العظيم في سورة النجم متأخرًا عن ذكره لها بخير المزعوم إلا وغضبوا، ولم يسجدوا؛ لأن العبرة بالكلام الأخير. اهـ.
وأما السنة فقد روى الدارمي ١/ ١٢٥، وأبو داود في العلم -باب كتابة العلم ١٠/ ٧٩ عن عبد الله بن عمرو قال: "كنت أكتب كلَّ شيء سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشر يتكلم في الغضب والرضى، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال: أكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق" ولا شك أن تلك الكلمات من أعظم الباطل المنافي للحق.
وأما النظر، فقال ابن العربي في أحكام القرآن ٣/ ١٣٠٠: النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أرسل إليه الملك بوحيه، فإنّه يخلق له العلم به، حتى يتحقق من أنه رسول من عنده، ولولا ذلك =

صفحة رقم 461

.........................

= ما صحت الرسالة، ولا تبينت النبوة، فإن خلق الله له العلم به تميّز عنده من غيره، وثبت اليقين، واستقام سبيل الدين، ولو كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا شافهه الملك بالوحي لا يدري أملك هو أم إنسان، أم صورة مخالفة لهذه الأجناس -ألقت عليه كلاما، وبلغت إليه قولا- لم يصح له أن يقول: إنه من عند الله، ولا ثبت عندنا أن أمر الله، فهذه سبيل متيقنة، وحالة متحققة لا بد منها، ولا خلاف في المنقول ولا في المعقول فيها، ولو جاز للشيطان أن يتمثل فيها أو يتشبه بها ما أمناه على آية، ولا عرفنا منه باطلا من حقيقة، فارتفع بهذا الفصل اللبس، وصح اليقين في النفس. وقال أيضًا ٣/ ١٣٠١: أن قول الشيطان: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن ترتجى للنبي -صلى الله عليه وسلم- قبله منه، فالتبس عليه الشيطان بالملك، واختلط عليه التوحيد بالكفر، حتى لم يفرق بينهما.
وأنا من أدنى المؤمنين منزلة وأقلهم معرفة بما وفقني الله وآتاني من علمه، لا يخفى علي وعليكم أن هذا كفر لا يجوز وروده من عند الله، ولو قاله أحدٌ لكم لتبادر الكلّ إليه قبل التفكير بالإنكار والرَّدع والتقريب والتشنيع، فضلاً عن أن يجهل النبي -صلى الله عليه وسلم- حال القول، ويخفى عليه قوله، ولا بتفطن لصفة الأصنام بأنها الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتجى، وقد علم علمًا ضروريًا أنها جمادات لا تسمع ولا تبصر، ولا تنطق ولا تضر، ولا تنفع ولا تنصر ولا تشفع، بهذا كان يأتيه جبريل الصباح والمساء، وعليه انبنى التوحيد، ولا يجوز نسخُه.. فكيف يخفى هذا على الرسول؟. ونذكر هنا بعض العلماء والمفسرين قديما وحديثا الذين ردوا هذه الرواية، فمنهم: -محمد بن إسحاق بن خزيمة. الإمام المعروف، قال الرازي في "تفسيره" ٢٣/ ٥٠:
روي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة أنَّه سئل عن هذه القصّة؟ فقال: هذا وضع من الزنادقة. وصنف فيه كتابًا.
- ابن حزم فقد قال في "الفصل في الملل والأهواء والنحل" ٤/ ٤٨: وأما الحديث الذي فيه: "وإنّهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى" فكذب بحت موضوع، لأنه لم يصح قط من طريق النقل.
- أبو بكر البيهقي صحب كتاب "السنن الكبري" وغيرها، فقد نقل عنه الرازي في تفسيره ٢٣/ ٥٠ أنَّه قال: هذه القصّة غير ثابتة من جهة النقل. =

صفحة رقم 462

.........................

= - أبو بكر بن العربي في "أحكام القرآن" ٣/ ٣٠٠ - ١٣٠٣ فقد ردّها في عشر مقامات.
- القاضي عياض في كتابه "الشفا في حقوق المصطفى" ٤/ ١٣٩ - ١٧٧ حيث بين بطلانها سندًا، ثم شرع في بيان بطلانها متنا.
- الرازي في "تفسيره" ٢٣/ ٥٠ - ٥٤ فقد ذكر أنَّ القرآن والسنَّة والمعقول يدل على بطانها، ثم شرع في بيان بطلانها.
- القرطبي في "أحكام القرآن" ١٢/ ٨٠ - ٨٥.
- أبو حيان في "البحر المحيط" ٦/ ٣٨١ - ٣٨٢ حيث قال: وذكر المفسرون في كتبهم: ابن عطية والزمخشري، فمن قبلها ومن بعدهما ما لا يجوز وقوعه من آحاد المؤمنين منسوبا إلى المعصوم صلوات الله عليه. ثم ذكر بعض أقوال العلماء في ردّه ووجوب اطراحه، ثم قال: ولذلك نزهت كتابي عن ذلك فيه ثم ردَّ ذلك بالقرآن والنظر.
- الحافظ ابن كثير، فقد قال في "تفسيره" ٣/ ٢٢٩: قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظنَّا منهم أنَّ مشركي قريش قد أسلموا، ولكنَّها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح.
- البيضاوي فقد قال في "تفسيره" ٢/ ٩٦: وهو مردود عند المحققين.
- وردها من شرَّاح صحيح البخاري: العيني في كتابه "عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري" ١٩/ ٦٦.
وردّها أيضًا الشوكاني في "فتح القدير" ٣/ ٤٦٢ فقال: "ولم يصح شيء من هذا، ولا يثبت بوجه من الوجوه، ومع عدم صحته، بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله". ثم شرع في ردّه
وعلى هذا القول، فمعنى نسخ ما يلقي الشيطان: إزالته وإبطاله، وعدم تأثيره في المؤمنين الذين أتوا العلم. لأن النسخ هنا هو النسخ اللغوي، ومعناه: الإبطال والإزالة من قولهم: نسخت الشمس الظل، ونسخت الريح الأثر.
ومعنى "يحكم آياته": يتقنها بالإحكام، فيظهر أنها وحي منزل منه بحق، ولا يؤثر في ذلك محاولة الشيطان صد الناس عنها بإلقائه المذكور، وما ذكره هنا من أنه يسلط الشيطان فيلقي في قراءة الرسول والنبي، فتنة للناس ليظهر مؤمنهم من =

صفحة رقم 463

.........................

= كافرهم بذلك الإمتحان جاء موضحًا في آيات كثيرة قدمناها مرارًا، كقوله: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ الآية [المدثر: ٣١]، وقوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ [البقرة: ١٤٣]، وقوله: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ [الإسراء: ٦٠] أي لأنها فتنة، كما قال: أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ [الصافات: ٦٢ - ٦٤]. لأنه لما نزلت هذه الآية قالوا: ظهر كذب محمد -صلى الله عليه وسلم- لأن الشجر لا ينت في الموضع اليابس، فكيف تنبت شجرة في أصل الجحيم إلى غير ذلك من الآيات.
وقد نقل العلامة القاسمي في "محاسن التأويل" ١٢/ ٤٦ - ٥٦ عن الشيخ محمد عبده مفتي مصر في هذه الآيات كلاما جيدًا، ومما قاله: "لا يخفى على كل من يفهم اللغة العربية، وقرأ شيئًا من القرآن، أن قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ الآيات، يحكي قدرًا قدر للمرسلين كافة، لا يعدونه ولا يقفون دونه،. ويصف شنشنة عرفت فيهم، وفي أممهم. فلو صح ما قال أولئك المفسرون لكان المعنى: أن جميع الأنبياء والمرسلين قد سلط الشيطان عليهم فخلط في الوحي المنزل إليهم، ولكنه بعد هذا الخلط ينسخ الله كلام الشيطان ويحكم الله آياته إلخ، وهذا من أقبح ما يتصور متصور في اختصاص الله تعالى لأنبيائه، واختيارهم من خاصة أوليائه!.. ذكر الله لنبيه حالا من أحوال الأنبياء والمرسلين قبله، ليبين له سنته فيهم. وذلك بعد أن قال: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ [الحج: ٤٢] إلى آخر الآيات، ثم قال: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلخ، فالقصص السابق كان في تكذيب الأمم لأنبيائهم. ثم تبعه إلاَّمر الإلهي بأن يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لقومه: إنني لم أرسل إليكم إلا لأنذركم =

صفحة رقم 464

.........................

= بعاقبة ما أنتم عليه، ولأبشر المؤمنين بالنعيم. وأما الذين يسعون في الآيات والأدلة التي أقيمها على الهدي وطرق السعادة، ليحوّلوا عنها الأنظار ويحجبوها عن الأبصار، ويفسدوا أثرها الذي أقيمت لأجله، ويعاجزوا بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- المؤمنين، أي يسابقونهم ليعجزوهم ويسكتوهم عن القول بذلك. ولك بلعبهم بالألفاظ وتحويلها عن مقصد قائلها، كما يقع عادة من أهل الجدل والمماحكة - هؤلاء الضالون المضلون هم أصحاب الجحيم. وأعقب ذلك بما يفيد أن ما ابتلي به النبي -صلى الله عليه وسلم- من المعاجزة في الآيات، قد ابتلي به الأنبياء السابقون. فلم يبعث نبي في أمة إلا كان له خصوم يؤذونه بالتأويل والتحريف، ويضادّون أمانية، ويحولون بينه وبين ما يبتغي، بما يلقون في سبيله من العثرات.
فعلى هذا المعنى الذي يتفق مع ما لقيه الأنبياء جميعًا، يجب أن تفسر الآية وذلك يكون على وجهين:
الأول: أن يكون (تمنَّى) بمعنى (قرأ) و (الأمنية) بمعنى (القراءة) وهو معنى قد يصح. وقد ورد استعمال اللفظ فيه؛ قال حسان بن ثابت في عثمان رضي الله عنهما:
تمنى كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقادر
وقال آخر:
تمنى كتاب الله أول ليله تمنى داود الزبور على رسل
غير أن الإلقاء لا يكون على المعنى الذي ذكروه، بل على المعنى المفهوم من قولك (ألقيتُ في حديث فلان) إذا أدخلت فيه ما ربما يحتمله لفظه، ولا يكون قد أراده. أو نسبت إليه ما لم يقله تعللا بأن ذلك الحديث يؤدى إليه. وذلك من عمل المعاجزين الذين ينصبون أنفسهم لمحاربة الحق، يتبعون الشبهة، ويسعون وراء الريبة، فالإلقاء بهذا المعنى دأبهم، ونسبة الإلقاء إلى الشيطان لأنه مثير الشبهات بوساوسه، مفسد القلوب بدسائسه، وكل ما يصدر من أهل الضلال يصح أن ينسب إليه. ويكون المعنى: وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبيّ إلا إذا حدث قومه عن ربه، أو تلا وحيًا أنزل إليه في هدى لهم، قام في وجهه مشاغبون، يحولون ما يتلوه عليهم عن المراد منه. ويتقوّلون عليه ما لم يقله، وينشرون ذلك بين الناس، ليبعدوهم عنه، ويعدلوا بهم عن سبيله، ثم يحق الله الحق ويبطل الباطل. وما زال الأنبياء يصبرون على ما كذّبوا وأوذوا، ويجاهدون في الحق، =

صفحة رقم 465

.........................

= ولا يعتدّون بتعجيز المعجّزين، ولا بهزء المستهزئين إلى أي يظهر الحق بالمجاهدة، وينتصر على الباطل بالمجالدة. فينسخ الله تلك الشبه ويجتثها من أصولها، ويثبت آياته ويقررها. وقد وضع الله هذه السنة في الناس ليتميز الخبيث من الطيب، فيفتتن الذين في قلوبهم مرض، وهم ضعفاء العقول، بتلك الشبه والوساوس، فينطلقون وراءها. ويفتتن بها القاسية قلوبهم من أهل العناد والمجاحدة، فيتخذونها سندًا يعتمدون عليها في جدلهم. ثم يتمحص الحق عند الذين أتوا العلم، ويخلص لهم بعد ورود كل شبهة عليه، فيعلمون أن الحق من ربك فيصدقون به، فتخبت وتئن له قلوبهم. والذين أوتوا العلم هم الذين رزقوا قوة التمييز بين البرهان القاطع الذي يستقرّ بالعقل في قرارة اليقين. وبين المغالطات وضروب السفسطة التي تطيش بالفهم، وتطير به مع الوهم، وتأخذ بالعقل تارة ذات الشمال وأخرى ذات اليمين. وسواء أرجعت الضمير في (أنه الحق) إلى ما جاءت به الآيات المحكمات من الهدى الإلهي أو إلى القرآن، وهو أجلّها، فالمعنى من الصحة على ما يراه أهل التمكين هؤلاء الذين أتوا العلم هم الذين آمنوا. وهم الذين هداهم الله إلى الصراط المستقيم. ولم يجعل للوهم عليها سلطانا، فيحيد بهم عن ذلك النهج القويم. وأما الذين كفروا وهم ضعفاء العقول ومرضى القلوب، أو أهل العناد وزعماء الباطل وقساة الطباع، الذين لا تلين أفئدتهم ولا تبش للحق قلوبهم، فأولئك لا يزالون في ريب في الحق أو الكتاب. لا تستقر عقولهم عليه، ولا يرجعون في متصرفات شئونهم إليه. حتى تأتي ساعة هلاكهم بغتة، فيلاقوا حسابهم عند ربهم. أو إن امتد بهم الزمن، ومادّهم الأجل، فسيصيبهم عذاب يوم عقيم. يوم حرب يسامون فيه سوء العذاب، القتل أو الأسر. ويقذفون إلى مطارح الذل وقرارات الشر. فلا ينتج لهم من ذلك اليوم خير ولا بركة، بل يسلبون ما كان لديهم ويساقون إلى مصارع الهلكة. وهذا هو العقم في أتم معانيه وأشأم درجاته. ما أقرب هذه الآيات من مغازيها، إلى قوله تعالى في سورة آل عمران: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: ٧]، وقد قال بعد ذلك: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ [آل عمران: ١٠] ثم قال: =

صفحة رقم 466

وأما وجه جواز هذا الغلط على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال ابن عباس في رواية عطاء: إن شيطانًا يقال له الأبيض كان قد أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- في صورة جبردل وألقى في قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنهن (١) الغرانقة العلى وإن شفاعتهن لترتجى (٢).

= قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران: ١٢] إلخ الآيات.
وكأن إحدى الطائفتين من القرآن شرح للأخرى. فالذين في قلوبهم زيغ هم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم. والراسخون في العلم هم الذين أتوا العلم، وهؤلاء هم الذين يعلمون أنه الحق من ربهم. فيقولون آمنا به كل من عند ربنا، فتخبت له قلوبهم، وإن الله لهاديهم إلى صراط مستقيم. وأولئك هم الذين يفتتنون بالتأويل، ويشتغلون بقال وقيل بما يلقي إليهم الشيطان، ويصرفهم عن رامي البيان، ويميل بهم عن محجة الفرقان. وما يتكئون عليه من الأموال والأولاد، لن يغني عنهم من الله شيئًا. فستوافيهم آجالهم، وتستقبلهم الأنباء مع أممهم، وسبيل الحق مع الباطل من يوم أن رفع الله الإنسان إلى منزلة يميز فيها بين سعادته وشقائه، وبين ما يحفظه وما يذهب ببقائه. وكما لا مدخل لقصة الغرانيق في آيات آل عمران، لا مدخل لها في آيات سورة الحج، هذا هو الوجه الأول في تفسير آيات (وما أرسلنا) إلى آخرها، على تقدير أن (تمنَّى) بمعنى (قرأ) وأن (الأمنية) بمعنى (القراءة) والله أعلم".
ثم ذكر الشيخ محمد عبده وجهًا ثانيًا في تفسير الآيات مبنيًّا على أن التمني هو على معناه المعروف من الأمنية. واقتصرنا على الوجه الأول؛ لأن عامّة المفسرين على أن التمني هنا بمعنى القراءة.
(١) في (ظ)، (ع): (وإنّهن).
(٢) ذكره الرازي ٢٣/ ٥٣ من روايه عطاء عن ابن عباس، وذكره القرطبي ١٢/ ٨٤ عن ابن عباس، وذكره البغوي ٥/ ٣٩٤ من غير نسبه.
وهذا قول لا يصح عن ابن عباس رضي الله عنه.

صفحة رقم 467

وقال السدي عن أصحابه: لما وقع من هذا ما وقع أنزل الله هذه الآية يطيب نفس محمد ويخبر (١) أن الأنبياء قبله قد كانوا مثله ولم يبعث نبي (٢) قط إلا تمنى (٣) أن يؤمن قومه ولم (٤) يتمن ذلك نبي قط إلا ألقى الشيطان عليه ما يرضي قومه (٥) فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ (٦).
وعلى هذا (تمنى) في قوله إِلَّا إِذَا تَمَنَّى من الأمنية، لا بمعنى قرأ، ويكون المعنى إذا أحب شيئًا ألقى الشيطان في محبته.
وهذا دليل على جواز الخطأ والنسيان على الرسل، ثم لا يقارُّون على ذلك (٧).

(١) في (أ): (ويخبر).
(٢) في (أ)، (ظ): (نبيًّا).
(٣) في (ع): (يتمنى).
(٤) لم: ساقطة من (أ).
(٥) في جميع النسخ: (قومه قوله "فينسخ...) بزيادة قوله، وهي زيادة يختل بها المعنى فحذفناها، وهي ليست موجودة في الوسيط ٣/ ٢٧٧.
(٦) لم أجد هذه الرواية عن السدي عن أصحابه. وقد ذكرها البغوي ٥/ ٣٩٤ عن ابن عباس بأخصر مما هنا.
والرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله عز وجل وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة.
أما ما سوى ذلك فيجوز عليهم الخطأ والنسيان لكن لا يقارّون على ذلك. وعلى ذلك دل الكتاب والسنة.
انظر: "فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" ١٠/ ٢٩٠، ٢٩٥ وما بعده.
(٧) حكي القرطبي ٢١/ ٨٦ هذا القول عن الثعلبي ثم قال: ولكن إنَّما يكون الغلط على حسب ما يغلط أحدنا، فأمَّا أنَّ يضاف إليه من قولهم: "تلك الغرانيق العلى" =

صفحة رقم 468

وعلى ما قال ابن عباس إنما قاله الشيطان على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أثناء قراءته، وأوهم أنَّه من القرآن، ولم يكن للنبي -صلى الله عليه وسلم- إحساس بذلك، بل كان فتنة من الله لعباده المؤمنين والمشركين، وعلى هذا يدل قوله لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً الآية (١).
قال أبو إسحاق: وذلك محنة من الله -عز وجل-، وله أن يمتحن بما شاء (٢)، فألقى الشيطان على لسان النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئًا من صفة الأصنام فافتتن بذلك أهل الشقاق والنفاق ومن في قلبه مرض (٣).
وروي عن الحسن أنه قال في هذه الآية: أراد (٤) بالغرانيق العلى الملائكة (٥).
وهذا غير مرضي من القول؛ لأن الله تعالى قال: فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ [أن (٦) يبطله، وشفاعة الملائكة غير باطلة، ثم وإنْ أُخذَ] (٧) بهذا (٨) فليس يمنع هذا القول من أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- قد سمع منه ما ليس بقرآن (٩).

= فكذبٌ على النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن فيه تعظيم الأصنام، ولا يجوز ذلك على الأنبياء. اهـ
(١) قد تقدم بيان بطلان هذا القول.
(٢) في (د)، (ع): (يشاء).
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٤٣٣ - ٤٣٤.
(٤) في (د)، (ع): زيادة إنّه قبل (أراد).
(٥) ذكره عنه الماوردي ٤/ ٣٥، والقرطبي ١٢/ ٨٥
(٦) هكذا في جميع النسخ، ولعلها: أي.
(٧) ساقط من (ظ).
(٨) في (ظ). (فهذا).
(٩) انظر الثعلبي ٣/ ٥٥ أ - ب.

صفحة رقم 469

وذهب بعض المتأولين (١) إلى أنَّ "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى" ليس بثناء على آلهة المشركين ولا مدح لها، ولكن يكون التقدير فيه: تلك الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهن لترتجى عندكم وفيما تذهبون إليه، لا أنَّها في الحقيقة كذلك، كما قال إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩] أي عند نفسك.
وهذا في البعد، كما روي عن الحسن؛ لأن هذا التأويل لا يمنع من سماع هذا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما بين القرآن.
فإذًا (٢) الصحيح في هذا أن يقال: إنّه من السهو الذي لا يعرى منه بشر، ثم لا يلبث أن ينبهه الله (٣) عليه، وإما أن يقال إنَّه كان من الشيطان فتنة للناس كما ذكرنا.
وقوله: أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [إن قلنا] (٤) أن الشيطان تكلم بهذا على لسانه فهو ظاهر، وإن قلنا إنّه سهى وغلط (٥)؛ فإن ذلك السهو من جهة الشيطان ووسوسته فهو من إلقائه. ومفعول أَلْقَى غير مذكور في اللفظ لأنه كان معلومًا للنبي -صلى الله عليه وسلم- ولأصحابه حين نبه على غلطه ألا ترى أنه نقل نقلًا مستفيضًا.
وقوله فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ أي: يرفعه ويبطله بتنبيه

(١) انظر: "النكت والعيون" للماوردي ٤/ ٣٥، "الشفا" للقاضي عياض ٤/ ١٧٣، "فتح الباري" لابن حجر ٨/ ٤٤٠.
(٢) في (أ): (فإذن).
(٣) لفظ الجلالة ليس في (ظ).
(٤) ساقط من (أ).
(٥) في (د)، (ع): (سهو وغلط).

صفحة رقم 470

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية