ولما كان دعواهم الشريك لله تعالى جارية في الغرابة والشهرة مجرى الأمثال السائرة، ضرب لها الحق تعالى مثلا فقال :
يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
يقول الحقّ جلّ جلاله : يا أيها الناس ضُرب مثلٌ أي : يُبين لكم حالٌ مستغربة، أو قصة بديعة رائقة حقيقة بأن تسمى مَثَلاً، وتنشر في الأمصار والأعصار، فاستمعوا له ؛ لضرب هذا المثل ؛ استماع تدبر وتفكر، وهو : إِنَّ الذين تدْعُون ، وعن يعقوب : بياء الغيبة، أي : إن الذين تدعونهم آلهة وتعبدونهم من دون الله لن يخلقُوا ذُبابًا أي : لن يقدروا على خلقه أبدًا، مع صغره وحقارته. و لن : لتأبيد النفي، فتدل على استحالته، ولو اجتمعوا له أي : الذباب. ومحله : نصب على الحال، كأنه قال : لا يقدرون على خلقه مجتمعين له، متعاونين عليه، فكيف إذا كانوا منفردين ؟ ! وهذا أبلغ ما أنزل في تجهيل قريش، حيث وَصَفوا بالألوهية -التي من شأنها الاقتدار على جميع المقدورات، والإحاطة بكل المعلومات- صُورًا وتماثيل، يستحيل منها أن تقدر على أضعف ما خلقه الله تعالى وأذله، ولو اجتمعوا له.
وإِن يسلبْهُمُ الذبابُ شيئًا من الطيب وغيره، لا يستنقذوه منه أي : هذا الخلق الأرذل الأضعف، لو اختطف منهم شيئًا فاجتمعوا على أن يستخلصوه منه، لم يقدروا وعن ابن عباس رضي الله عنه : أنهم كانوا يطلُونها بالعسل والطيب، ويغلقون عليها الأبواب، فيدخل الذبابُ من الكُوِي فيأكله، فتعجز الأصنام عن أخذه. ضَعُفَ الطالبُ : الصنمُ بطلب ما سُلب منه، والمطلوبُ : الذباب بما سَلَب. وهذا كالتسوية بينهم وبين الذباب في الضعف، ولو حققت لوجدت الطالب أضعفَ وأضعفَ ؛ فإنَّ الذباب حيوان والصنم جماد.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي