ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ

وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً، دَلَالَةً عَلَى قُدْرَتِنَا، وَلَمْ يَقُلْ آيتين، قيل: معناه [جعلنا] [١] شَأْنُهُمَا آيَةٌ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ جَعَلْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا آيَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها [الكَهْفِ: ٣٣]. وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ، الرَّبْوَةُ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ مِنَ الْأَرْضِ، وَاخْتَلَفَتِ الأقوال فيها، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: هِيَ دِمَشْقٌ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَمُقَاتِلٍ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: غُوطَةُ دِمَشْقَ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هِيَ الرَّمَلَةُ. وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ وَكَعْبٍ. وَقَالَ كَعْبٌ: هِيَ أَقْرَبُ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هِيَ مِصْرُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَرْضُ فِلَسْطِينَ. ذاتِ قَرارٍ أَيْ:
مُسْتَوِيَةٍ مُنْبَسِطَةٍ وَاسِعَةٍ يَسْتَقِرُّ عليها ساكنوها. وَمَعِينٍ، المعين الْمَاءُ الْجَارِي الظَّاهِرُ الَّذِي تَرَاهُ الْعُيُونُ، مَفْعُولٌ مَنْ عَانَهُ يُعِينُهُ إذا أدركه البصر. قوله: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ، قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَالْكَلْبِيُّ وَجَمَاعَةٌ: أَرَادَ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ عَلَى مَذْهَبِ الْعَرَبِ فِي مُخَاطَبَةِ الْوَاحِدِ بِلَفْظِ الْجَمَاعَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ بِهِ عِيسَى وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ جَمِيعَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ، أَيِ الحَلَالَاتِ، وَاعْمَلُوا صالِحاً، الصَّلَاحُ هُوَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى مَا توجيه الشَّرِيعَةُ، إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ.
وَإِنَّ هذِهِ قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَإِنَّ بِكَسْرِ الْأَلِفِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَخَفَّفَ ابْنُ عَامِرٍ النُّونَ وَجَعَلَ إِنَّ صِلَةً مَجَازُهُ وَهَذِهِ أُمَّتُكُمْ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ عَلَى مَعْنَى وَبِأَنَّ هَذَا تَقْدِيرُهُ بِأَنَّ هَذِهِ أَمَتُّكُمْ، أَيْ مِلَّتُكُمْ وَشَرِيعَتُكُمُ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا، أُمَّةً واحِدَةً، أَيْ مِلَّةً وَاحِدَةً وَهِيَ الْإِسْلَامُ، وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ، أَيْ: اتَّقُونِي لِهَذَا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَمَرْتُكُمْ بِمَا أَمَرْتُ بِهِ الْمُرْسَلِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ فَأَمْرُكُمْ واحد وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فاحذورن وَقِيلَ: هُوَ نَصْبٌ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، أي: واعلموا إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أَيْ مِلَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٥٣ الى ٦٠]
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧)
وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠)
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ، دِينَهُمْ، بَيْنَهُمْ، أَيْ: تَفَرَّقُوا فَصَارُوا فِرَقًا يَهُودًا وَنَصَارَى وَمَجُوسًا، زُبُراً أَيْ: فِرَقًا وَقِطَعًا مُخْتَلِفَةً، وَاحِدُهَا زَبُورٌ وَهُوَ الْفِرْقَةُ وَالطَّائِفَةُ، وَمِثْلُهُ الزُّبْرَةُ وَجَمْعُهَا زُبَرٌ، وَمِنْهُ: زُبَرَ الْحَدِيدِ [الكَهْفِ: ٩٦] أَيْ: صَارُوا فِرَقًا كَزُبَرِ الْحَدِيدِ. وَقَرَأَ بَعْضُ أَهْلِ الشَّامِ «زُبَرًا» بِفَتْحِ الْبَاءِ، قَالَ قَتَادَةُ وَمُجَاهِدٌ «زُبُرًا» أَيْ: كُتُبًا يَعْنِي دَانَ كُلُّ فَرِيقٍ بِكِتَابٍ غَيْرِ الْكِتَابِ الَّذِي دَانَ بِهِ الْآخَرُونَ. وَقِيلَ: جَعَلُوا كُتُبَهُمْ قِطَعًا مُخْتَلِفَةً آمَنُوا بِالْبَعْضِ وَكَفَرُوا بِالْبَعْضِ وَحَرَّفُوا الْبَعْضَ، كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ، أي: بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الدِّينِ [٢]، فَرِحُونَ، مُعْجَبُونَ وَمَسْرُورُونَ.
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي كُفْرِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ، وَقِيلَ: عَمَايَتِهِمْ، وَقِيلَ:
غَفْلَتِهُمْ حَتَّى حِينٍ، إِلَى أَنْ يَمُوتُوا.
أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ [أي] [٣] مَا نُعْطِيهِمْ وَنَجْعَلُهُ مَدَدًا لَهُمْ مِنَ الْمَالِ وَالْبَنِينَ فِي الدُّنْيَا.

(١) زيادة عن المخطوط.
(٢) في المطبوع «منهم الذين».
(٣) زيادة عن المخطوط.

صفحة رقم 367

نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ، أَيْ: نجعل لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ وَنُقَدِّمُهَا ثَوَابًا لِأَعْمَالِهِمْ لِمَرْضَاتِنَا عَنْهُمْ، بَلْ لَا يَشْعُرُونَ، أَنَّ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ لَهُمْ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُسَارِعِينَ فِي الْخَيْرَاتِ فَقَالَ:
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧)، أَيْ: خَائِفُونَ، وَالْإِشْفَاقُ: الْخَوْفُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ خَائِفُونَ مِنْ عِقَابِهِ، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: الْمُؤْمِنُ مَنْ جَمَعَ إِحْسَانًا وَخَشْيَةً، وَالْمُنَافِقُ مَنْ جَمَعَ إِسَاءَةً وَأَمْنًا.
وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ، يُصَدِّقُونَ.
وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩).
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا، أَيْ: يُعْطُونَ مَا أعطوا من الزكوات والصدقات، روي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقْرَأُ «وَالَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا» أَيْ: يَعْمَلُونَ مَا عَمِلُوا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ
، أَنَّ ذَلِكَ لَا يُنْجِيهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَأَنَّ أَعْمَالَهُمْ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ، أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ، لِأَنَّهُمْ موقنون [١] أَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وجلّ. قال الحسن: عملوا والله [٢] بِالطَّاعَاتِ وَاجْتَهَدُوا فِيهَا، وَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ عَلَيْهِمْ.
«١٤٨٣» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ [أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ] [٣] الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَامِدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ أنا عبد الله بن عمرو، أنا وَكِيعٌ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ [٤] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَهْوَ الَّذِي يَزْنِي وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصَّدِيقِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ وَيَخَافُ أن لا يقبل منه».

١٤٨٣- حسن بطرقه. إسناده ضعيف، عبد الله بن عمرو ومن دونه توبعوا، ومن فوقه رجال الصحيح إلّا أنه منقطع، عبد الرحمن بن سعيد لم يدرك عائشة لكن توبع، فللحديث طرق.
- وكيع هو ابن الجراح.
- وأخرجه ابن ماجه ٤١٩٨ والحاكم ١/ ٣٩٤ وأحمد ٦/ ٢٠٥ والبيهقي في «الشعب» ٧٦٢ من طرق عن وكيع به.
- وأخرجه الترمذي ٣١٧٥ من طريق سفيان عن مالك من مغول به.
- وأخرجه الواحدي في «الوسيط» ٣/ ٢٩٣ من طريق عبد الله بن محمد الصوفي عن محمد بن أيوب عن جرير عن ليث عن عمرة عن عائشة به.
وإسناده ضعيف لأجل ليث بن أبي سليم.
- وأخرجه الطبري ٢٥٥٥٩ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هريرة عن عائشة، وفيه عمر بن قيس، وهو ضعيف.
- وكرره الطبري ٢٥٥٦١ من وجه آخر، وفيه راو لم يسم.
وكرره من وجه رابع ٢٥٥٦٣ وإسناده منقطع بين العوام بن حوشب وعائشة لكن الحديث بمجموع هذه الطرق يرقى إلى درجة الحسن والله أعلم.
وانظر «تفسير الشوكاني» ١٧٠٦ و «الكشاف» ٧٢٢ و «أحكام القرآن» ١٥٣٤ وهي جميعا بتخريجي.
(١) في المطبوع «يوقنون».
(٢) في المطبوع «لله».
(٣) زيادة عن المخطوط.
(٤) تصحف في المطبوع «معون».

صفحة رقم 368

معالم التنزيل

عرض الكتاب
المؤلف

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي

تحقيق

عبد الرزاق المهدي

الناشر دار إحياء التراث العربي -بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 5
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية