و( زُبُراً ) : حال من :" أَمْرهم "، أو من " واو " ( تقطعوا )، و( نُسارع ) : خبر " أن "، و " ما " : موصولة.
ثم قال تعالى : فتقطَّعوا أمرهم أي : فتفرقوا في أمر دينهم مع اتحاده، وجعلوه قطعاً متفرقة، وأدياناً مختلفة، بينهم زُبراً أي : قطعاً -جمع زَبور، بمعنى الفرقة، ويؤيده قراءة من قرأ :( زُبَراً ) بفتح الباء، جمع زُبْرة ؛ كغُرْفة، أي : قطعاً مختلفة، كلٌّ ينتحل كتاباً، وقيل : جمع زَبور، بمعنى كتاب، أي : كل فريق يزعم أن له كتاباً يتمسك به.
وعن الحسن : قطعوا كتاب الله قطعاً وحرَّفوه، والأول أقرب، أي : تفرقوا في أصل الدين فرقاً، وتحزبوا أحزاباً، كل حزب من أولئك المتحزبين بما لديهم من الدين الذي اختاروه، أول من الهوى والرأي، فَرِحُون : مُعجبُون، يعتقدون أنه الحق.
فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ [ التوبة : ٣٨ ]. هذا باعتبار عامة المسلمين، وأما الخاصة ؛ من العُبَّاد والزهاد والمريدين السائرين، فهم يجتنبون ما تجنح إليه النفس، ويتعلق به القلب ؛ خوفاً من الاشتغال بذلك عن العبادة أو السير ؛ لأن القلب إذا توجه لأمر أعرض عن الآخر، فإذا توجه إلى طلب الشهوات أعرض عن الله، وتَفَتَّر عن السير، وتَكَبَّل عن النهوض إلى الحضرة. ولذلك قال في الحِكَم :" كيف يشرق قلب : صُورُ الأكوان منطبعة في مرآته ؟ أم كيف يرحل إلى الله وهو مُكَبَّل بشهواته ؟ أم كيف يدخل حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته ؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته ؟ " وقال بعضهم : لَدغُ الزنابير على الأجسام المَقرحة، أيسر من لدغ الشهوات على القلوب المتوجهة.
وأما خاصة الخاصة ؛ وهم العارفون المتمكنون، فهم مع مولاهم، يأخذون من يده ما يعطيهم ؛ لأن قلوبهم قد استغرقتها الأنوار، فلم يبق فيها متسع للأغيار، قد تهذبت نفوسهم، واطمأنت بالله قلوبهم، فلا تلتفت إلى غير مولاها. وبالله التوفيق.
وقوله تعالى : فتقطعوا أمرهم بينهم... إلخ، الاختلاف، إن كان التوحيد وما يرجع إليه من أصول العقائد، فهو مذموم، وهو الذي نعاه الله على الكفرة المتحزبة، وأمَّا إن كان في الفروع فهو مشروع، كاختلاف الشرائع والمذاهب، ولذلك قال -عليه الصلاة والسلام- :" اختلاف أمتي رحمة "، وقال بعض الصوفية : ما زالت الصوفية بخير ما تنافروا، فإن توافقوا فلا خير فيهم. هـ. والمراد بالتنافر -في حقهم- التناصح، وإنكار بعضهم على بعض ؛ إذا رأى من أحد عيباً، فإن سكتوا عن بعضهم، وتوافقوا على مساوئ بعضهم بعضاً، فلا خير فيهم، وأما قلوبهم فهي متوافقة مؤتلفة.
وقوله تعالى : كل حزب بما لديهم فرحون ، أما أهل الحق فهم فرحون ؛ لسلوكهم على المنهاج المستقيم، المُفضي إلى رضوان الله ورحمته، وأما أهل الباطل فزين لهم الشيطان أعمالهم ؛ ليتمكنوا من التقرر عليه حتى ينفذ مراد الله فيهم، ولو تحققوا أنهم على باطل لم يمكن قرارهم عليه، فتبطل حكمته وقهريته، وكل من أقامه الحق -تعالى- في حرفة أو خُطة، زينها الله -تعالى- في قلبه حتى يقوم بها، وكذلك أهل الأسباب من أرباب الدليل والبرهان، مع أهل التجريد من أهل الشهود والعيان، لو علموا بمقام أهل العيان ما أقاموا في الأسباب، ولتجردوا كلهم، فتبطل الحكمة الإلهية. وكان إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه يقول :( لو يعلم الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف ) : فسبحان من قرَّب قوماً وأبعد قوما، وهم يحسبون أنهم يُحسنون صُنعا . والله تعالى أعلم وأحكم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي