(فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا...)، أي أنه جاء التقطع من وحدة الغرائز.
هذا ما بدر لنا، واللَّه أعلم بمراده، وقوله: (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)، أي أن النداء بالتقوى لكف الغرائز، وتهذيبها هو الذي يكفها، ويجعلها في ميزان الاعتدال.
(فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)
الزبر جمع زبرة أو اسم جنس جمعي، وهو الذي يفرق فيه بين المفرد والجمع بالتاء أو بياء النسب، كروم ورومي، والزبرة قطعة من الحديد، وقد شبهت الجماعات المختلفة في نزاعها بزبر الحديد، من حيث إن كل واحدة شديدة في التمسك بما عندها كأنها صلب الحديد، لَا تترك رأيها، كما لَا تتفرق زبر الحديد.
أي اختلفوا متقطعين متنابزين غير مجتمعين في أمرهم، بحيث لَا متسع للالتقاء فيما بينهم، يتحزبون في تفكيرهم: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)، أي كل جماعة متحزبة متعصبة لما عندها، فرحة به، وتحسب أنه الحق الذي لَا ريب فيه، وهو الضلال المبين، وإن التحزب لفكرة يدفع إلى التعصب لها، والتعصب يعمي ويصم، وتقديم الجار والمجرور - بما لديهم - لبيان أهميته عندهم.
وهنا ننبه إلى أن الفاء في قوله: (فَتَقَطَّعُوا) فاء السببية، وهي بهذا المعنى يرجح أن معنى الأمة ما بدر لنا، وتبعا أن يكون معناها: دين التوحيد؛ لأنه لا يترتب عليه التقاطع والتفرق.
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة