إن الإسلام - كما أسلفنا - لا يعتمد على العقوبة في إنشاء مجتمعه النظيف، إنما يعتمد قبل كل شيء على الوقاية. وهو لا يحارب الدوافع الفطرية. ولكن ينظمها ويضمن لها الجو النظيف الخالي من المثيرات المصطنعة.
والفكرة السائدة في منهج التربية الإسلامية في هذه الناحية، هي تضييق فرص الغواية، وإبعاد عوامل الفتنة ؛ وأخذ الطريق على أسباب التهييج والإثارة. مع إزالة العوائق دون الإشباع الطبيعي بوسائله النظيفة المشروعة..
ومن هنا يجعل للبيوت حرمة لا يجوز المساس بها ؛ فلا يفاجأ الناس في بيوتهم بدخول الغرباء عليهم إلا بعد استئذانهم وسماحهم بالدخول، خيفة أن تطلع الأعين على خفايا البيوت، وعلى عورات أهلها وهم غافلون.. ذلك مع غض البصر من الرجال والنساء، وعدم التبرج بالزينة لإثارة الشهوات.
ومن هنا كذلك ييسر الزواج للفقراء من الرجال والنساء. فالإحصان هو الضمان الحقيقي للاكتفاء.. وينهى عن تعريض الرقيق للبغاء كي لا تكون الفعلة سهلة ميسرة، فتغري بيسرها وسهولتها بالفحشاء.
فلننظر نظرة تفصيلية في تلك الضمانات الواقية التي يأخذ بها الإسلام.
( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها، ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون. فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم. وإن قيل لكم : ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم، والله بما تعملون عليم. ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم. والله يعلم ما تبدون وما تكتمون )..
لقد جعل الله البيوت سكنا، يفيء إليها الناس ؛ فتسكن أرواحهم ؛ وتطمئن نفوسهم ؛ ويأمنون على عوراتهم وحرماتهم، ويلقون أعباء الحذر والحرص المرهقة للأعصاب !
والبيوت لا تكون كذلك إلا حين تكون حرما آمنا لا يستبيحه أحد إلا بعلم أهله وإذنهم. وفي الوقت الذي يريدون، وعلى الحالة التي يحبون أن يلقوا عليها الناس.
ذلك إلى أن استباحة حرمة البيت من الداخلين دون استئذان، يجعل أعينهم تقع على عورات ؛ وتلتقي بمفاتن تثير الشهوات ؛ وتهيى ء الفرصة للغواية، الناشئة من اللقاءات العابرة والنظرات الطائرة، التي قد تتكرر فتتحول إلى نظرات قاصدة، تحركها الميول التي أيقظتها اللقاءات الأولى على غير قصد ولا انتظار ؛ وتحولها إلى علاقات آثمة بعد بضع خطوات أو إلى شهوات محرومة تنشأ عنها العقد النفسية والانحرافات.
ولقد كانوا في الجاهلية يهجمون هجوما، فيدخل الزائر البيت، ثم يقول : لقد دخلت ! وكان يقع أن يكون صاحب الدار مع أهله في الحالة التي لا يجوز أن يراهما عليها أحد. وكان يقع أن تكون المرأة عاريةأو مكشوفة العورة، هي أو الرجل، وكان ذلك يؤذي ويجرح، ويحرم البيوت أمنها وسكينتها ؛ كما يعرض النفوس من هنا ومن هناك للفتنة، حين تقع العين على ما يثير.
من أجل هذا وذلك أدب الله المسلمين بهذا الأدب العالي. أدب الاستئذان على البيوت، والسلام على أهلها لإيناسهم. وإزالة الوحشة من نفوسهم، قبل الدخول :
( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها )..
ويعبر عن الاستئذان بالاستئناس - وهو تعبير يوحي بلطف الاستئذان، ولطف الطريقة التي يجيء بها الطارق، فتحدث في نفوس أهل البيت أنسا به، واستعدادا لاستقباله. وهي لفتة دقيقة لطيفة، لرعاية أحوال النفوس، ولتقدير ظروف الناس في بيوتهم، وما يلابسها من ضرورات لا يجوز أن يشقى بها أهلها ويحرجوا أمام الطارقين في ليل أو نهار.
ولكن كل هذه الدقائق يرعاها المنهج القرآني بهذا الأدب الرفيع، أدب الاستئذان ؛ ويرعى معها تقليل فرص النظرات السانحة والالتقاءات العابرة، التي طالما أيقظت في النفوس كامن الشهوات والرغبات ؛ وطالما نشأت عنها علاقات ولقاءات، يدبرها الشيطان، ويوجهها في غفلة عن العيون الراعية، والقلوب الناصحة، هنا أو هناك !
ولقد وعاها الذين آمنوا يوم خوطبوا بها أول مرة عند نزول هذه الآيات. وبدأ بها رسول الله - عليه الصلاة والسلام.
أخرج أبو داود والنسائي من حديث أبي عمر الأوزاعي - بإسناده - عن قيس بن سعد هو ابن عبادة قال : زارنا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] في منزلنا فقال :" السلام عليكم ورحمة الله " فرد سعد ردا خفيا. قال قيس : فقلت : ألا تأذن لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ؟ فقال : دعه يكثر علينا من السلام. فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] " السلام عليكم ورحمة الله ". فرد سعد ردا خفيا. ثم قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] :" السلام عليكم ورحمة الله ". ثم رجع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأتبعه سعد فقال : يا رسول الله إني كنت أسمع تسليمك وأرد عليك ردا خفيا لتكثر علينا من السلام - فقال : فانصرف معه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وأمر له سعد بغسل فاغتسل ؛ ثم ناوله خميصة مصبوغة بزعفران أو ورس، فاشتمل بها، ثم رفع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يديه، وهو يقول :" اللهم اجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة "... الخ الحديث.
وأخرج أبو داود - بإسناده - عن عبد الله بن بشر قال : كان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ؛ ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول :" السلام عليكم. السلام عليكم ". ذلك أن الدور لم يكن يومئذ عليها ستور.
وروى أبو داود كذلك - بإسناده - عن هذيل قال : جاء رجل - قال عثمان : سعد - فوقف على باب النبي [ صلى الله عليه وسلم ] يستأذن. فقام على الباب - قال عثمان : مستقبل الباب - فقال له النبي[ صلى الله عليه وسلم ] :" هكذا عنك - أو هكذا - فإنما الاستئذان من النظر. "
وفي الصحيحين عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أنه قال :" لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن، فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح ".
وروى أبو داود - بإسناده - عن ربعي قال : أتى رجل من بني عامر استأذن على رسول الله[ صلى الله عليه وسلم ] وهو في بيته فقال : أألج ؟ فقال النبي [ صلى الله عليه وسلم ] لخادمه :" اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له : قل : السلام عليكم. أأدخل ؟ " فسمعها الرجل فقال : السلام عليكم. أأدخل ؟ فأذن له النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فدخل.
وقال هشيم : قال مغيرة : قال مجاهد : جاء ابن عمر من حاجة، وقد آذاه الرمضاء ؛ فأتى فسطاط امرأةمن قريش، فقال : السلام عليكم. أأدخل ؟ قالت : ادخل بسلام. فأعاد. فأعادت. وهو يراوح بين قدميه. قال : قولي : ادخل. قالت : ادخل. فدخل !
" وروى عطاء بن رباح عن ابن عباس - رضي الله عنهما، قال : قلت أأستأذن على أخواتي أيتام في حجري معي في بيت واحد ؟ قال : نعم. فرددت عليه ليرخص لي فأبى، فقال : تحب أن تراها عريانة ؟ قلت : لا. قال : فاستأذن. قال : فراجعته أيضا. فقال : أتحب أن تطيع الله ؟ قال : قلت : نعم. قال فاستأذن ".
وجاء في الصحيح عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أنه نهى أن يطرق الرجل أهله طروقا.. وفي رواية : ليلا يتخونهم.
وفي حديث آخر أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قدم المدينة نهارا، فأناخ بظاهرها وقال :" انتظروا حتى ندخل عشاء - يعني آخر النهار - حتى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة ".
إلى هذا الحد من اللطف والدقة بلغ حس رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وصحابته، بما علمهم الله من ذلك الأدب الرفيع الوضيء، المشرق بنور الله.
ونحن اليوم مسلمون، ولكن حساسيتنا بمثل هذه الدقائق قد تبلدت وغلظت. وإن الرجل ليهجم على أخيه في بيته، في أية لحظة من لحظات الليل والنهار، يطرقه ويطرقه ويطرقه فلا ينصرف أبدا حتى يزعج أهل البيت فيفتحوا له. وقد يكون في البيت هاتف " تليفون " يملك أن يستأذن عن طريقه، قبل أن يجيء، ليؤذن له أو يعلم أن الموعد لا يناسب ؛ ولكنه يهمل هذا الطريق ليهجم في غير أوان، وعلى غير موعد. ثم لا يقبل العرف أن يرد عن البيت - وقد جاء - مهما كره أهل البيت تلك المفاجأة بلا إخطار ولا انتظار !
ونحن اليوم مسلمون، ولكننا نطرق إخواننا في أية لحظة في موعد الطعام. فإن لم يقدم لنا الطعام وجدنا في أنفسنا من ذلك شيئا ! ونطرقهم في الليل المتأخر، فإن لم يدعونا إلى المبيت عندهم وجدنا في أنفسنا من ذلك شيئا ! دون أن نقدر أعذارهم في هذا وذاك !
ذلك أننا لا نتأدب بأدب الإسلام ؛ ولا نجعل هوانا تبعا لما جاء به رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إنما نحن عبيد لعرف خاطى ء، ما أنزل الله به من سلطان !
ونرى غيرنا ممن لم يعتنقوا الإسلام، يحافظون على تقاليد في سلوكهم تشبه ما جاء به ديننا ليكون أدبا لنا في النفس، وتقليدا من تقاليدنا في السلوك. فيعجبنا ما نراهم عليه أحيانا ؛ ونتندر به أحيانا. ولا نحاول أن نعرف ديننا الأصيل، فنفيء إليه مطمئنين.
إن الإسلام - كما أسلفنا - لا يعتمد على العقوبة في إنشاء مجتمعه النظيف، إنما يعتمد قبل كل شيء على الوقاية. وهو لا يحارب الدوافع الفطرية. ولكن ينظمها ويضمن لها الجو النظيف الخالي من المثيرات المصطنعة.
والفكرة السائدة في منهج التربية الإسلامية في هذه الناحية، هي تضييق فرص الغواية، وإبعاد عوامل الفتنة ؛ وأخذ الطريق على أسباب التهييج والإثارة. مع إزالة العوائق دون الإشباع الطبيعي بوسائله النظيفة المشروعة..
ومن هنا يجعل للبيوت حرمة لا يجوز المساس بها ؛ فلا يفاجأ الناس في بيوتهم بدخول الغرباء عليهم إلا بعد استئذانهم وسماحهم بالدخول، خيفة أن تطلع الأعين على خفايا البيوت، وعلى عورات أهلها وهم غافلون.. ذلك مع غض البصر من الرجال والنساء، وعدم التبرج بالزينة لإثارة الشهوات.
ومن هنا كذلك ييسر الزواج للفقراء من الرجال والنساء. فالإحصان هو الضمان الحقيقي للاكتفاء.. وينهى عن تعريض الرقيق للبغاء كي لا تكون الفعلة سهلة ميسرة، فتغري بيسرها وسهولتها بالفحشاء.
فلننظر نظرة تفصيلية في تلك الضمانات الواقية التي يأخذ بها الإسلام.