ﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁ

والمعنى: نفي الكلمة الخبيثة عنهم، وإنْ بدرت منهم بادرة (١) فهم مبرؤن منها؛ لأن الله يغفرها لهم بأنها ليست من شيمتهم ولا من أخلاقهم.
قوله تعالى: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ قال ابن عباس (٢)، ومقاتل (٣): رزق حسن في الجنّة.
٢٧ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الآية. روى عدي بن ثابت (٤) أن امرأة [من الأنصار] (٥) جاءت إلى رسول الله (٦) -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله! إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحدٌ (٧) لا والد ولا ولد، فيأت الأب فيدخل علي، ولا يزال يدخل عليّ رجل من أهل بيتي وأنا على تلك الحال، فكيف أصنع؟ فنزلت هذه الآية (٨).

(١) في (أ): (وإن ندرت منهم نادرة).
(٢) رواه الطبراني في "الكبير" ٢٣/ ١٦١ من طريق عطاء عن ابن عباس، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٥٢ ونسبه للطبراني.
(٣) "تفسير مقاتل" ٢/ ٣٧ أ.
(٤) هو: عَدي بن ثابت الأنصاري، الكوفي. تابعي ثقة رمي بالتشيع، توفي سنة ١١٦ هـ. "الكاشف" للذهبي ٢/ ٢٥٩، "تقريب التهذيب" ٢/ ١٦.
(٥) ساقط من (ظ).
(٦) في (ظ): (النبي).
(٧) (لا): ساقطة من (ظ)، (ع).
(٨) رواه الطبري في "تفسيره" ١٨/ ١١٠ - ١١١، والثعلبي في "الكشف والبيان" ٣/ ٧٦ أ، والواحدي في "أسباب النزول" ص ٢٦٩ من طريق أشعث بن سوّار، عن عدي بن ثابت.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٧١ ونسبه للفريابي والطبري.
وهذه الرواية فيها علتان:
الأولى: في سندها أشعث بن سوّار وهو ضعيف.
الثانية: الإرسال، فإن عديّ بن ثابت تابعيّ.

صفحة رقم 188

وقوله: بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ قال ابن عباس: يعني بُيوتًا ليست لكم (١) حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا قال: يريد: حتى تستأذنوا (٢). وهو قول عكرمة (٣)، ومقاتل (٤)، وقتادة (٥)، والسدي (٦).
قال أبو إسحاق: معنى تَسْتَأْنِسُوا في اللغة: تستأذنوا. وكذلك هو في التفسير. والاستئذان: الاستعلام. يقول: آذنته بكذا: أعلمته، وكذلك آنست منه كذا، أي: علمت منه. ومنه قوله فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا [النساء:

(١) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٣٢ أعن سعيد بن جبير.
(٢) رواه الطبري ١٨/ ١١٠، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٢ أمن طرق عن ابن عباس.
(٣) ذكر السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٧١ عن عكرمة قال: هي في قراءة أبيّ (حتى تسلموا وتستأذنوا). وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) "تفسير مقاتل" ٢/ ٣٧ أ.
(٥) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٥٥، والطبري ١٨/ ١١٠، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٢ أ.
(٦) لم أجد من ذكره عنه.
قال العز بن عبد السلام في كتابه "الإشارة إلى الإيجاز" ص ٧٨: تَسْتَأْنِسُوا تطلبوا الأنس بكم، أي: تطلبوا أن يأنس بكم صاحب البيت، وأنسه به بانتفاء الوحشة والكراهية، وهذا كناية لطيفة عن الاستئذان، أي: أن يستأذن الداخل، أي يطلب إذنًا من شأنه أن لا يكون معه استيحاش ربّ المنزل بالداخل.. فإنَّه إذا أذن له دلّ على أنَّه لا يكره دخوله، وإذا كره دخوله لا يأذن له، والله متولي علم ما في قلبه: فلذلك عبَّر عن الاستئذان بالاستئناس مع ما في ذلك من الإيماء إلى علة مشروعية الاستئذان.
وفي ذلك من الآداب أن المرء ينبغي أن لا يكون كلًا على غيره، ولا ينبغي أن يعرّض نفسه إلى الكراهية والاستثقال، وأنه ينبعي أن يكون الزائر والمزور متوافقين متآنسين، وذلك عون على توفر الأخوّة الإسلامية. اهـ.

صفحة رقم 189

٦] أي: إن علمتم، فمعنى (حَتَّى (١) تَسْتَأْنِسُوا): حتى تستعلموا، أيريد أهلها أن تدخلوا أم لا؟ (٢).
وقال ابن قتيبة: الاستئناس: أن يُعلم من في الدار يقال: استأنست فما رأيت أحدًا، أي: استعلمت (٣) وتعرّفت (٤) (٥).
وقال الفراء: الاستئناس في كلام العرب: النظر. يقال: اذهب فاستأنس هل ترى أحدًا؟ فيكون معناه: انظر من في الدار (٦).
وقول النابغة:
بذي الجليل (٧) على مستأنس وحد (٨) (٩).

(١) (حتى): ليست في (ظ)، (ع).
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٣٩.
(٣) في (ظ): (استعملت).
(٤) في (أ): (تعرفت) سقطت الواو.
(٥) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٣٠٣.
(٦) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٤٩.
(٧) في (ع): (الخليل)، وفي (ظ): (الخيل).
(٨) في (ع): (وحدي).
(٩) هذا عجز بيت للنابغة الذبياني، وهو من معلقته، وصدره:
كأنَّ رحلي، وقد زال النهار بنا
وهو في "ديوانه" ص ١٧، "غريب القرآن" (١) لابن قتيبة ص ٣٠٣، "تهذيب اللغة" للأزهري ١٣/ ٨٧ (أنِسَ)، "لسان العرب" ٦/ ١٥ (أنس).
قال الخطيب التبريزي في "شرح المعلقات العشر" ص ٥١٧: "زال النهار بنا" معناه: انتصف، و"بنا" بمعنى علينا، والجليل: الثُّمام، أي بموضع فيه ثمام، والمستأنس: الناظر بعينه، ومنه "إني آنست نارًا" أي أبصرت. اهـ.
و (وَحَد): بفتح الواو والحاء: الرجل المنفرد. "القاموس المحيط" ١/ ٣٤٣.

صفحة رقم 190

أراد على ثرر وحشي أحسّ بما (١) رابه فهو يستأنس، أي: يتبصرَّ ويتلفَّت هل يرى أحدًا (٢). وعلى هذا معنى حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا حتى تنظروا وتتعرفوا هل في البيت أحد.
وروى سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا قال: إنّما هو (حتى تستأذنوا) ولكنّه وَهَم من الكاتب (٣).

(١) في (ع): (أحسن ما).
(٢) من قوله: (وقول النابغة إلى هنا) نقلاً عن "تهذيب اللغة" للأزهري ١٣/ ٨٧ (أنس).
(٣) رواه سعيد بن منصور ١٥٨ ب، والطبري ١٨/ ١٠٩ - ١١٠، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٢ أمن طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وذكره ابن حجر في "الفتح" ١١/ ٨ وعزاه لسعيد والطبري والبيهقي، وقال: بسند صحيح عن ابن عباس. اهـ.
ورواه سفيان الثوري في "تفسيره" ص ٢٢٤، والحاكم في "مستدركه" ٢/ ٣٩٦ من طريق مجاهد، عن ابن عباس. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وهذا الأثر استشكله طائفة من العلماء منهم إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتابه "أحكام القرآن"، ذكر ذلك عنه ابن حجر في "الفتح" ٨/ ٩.
وقال ابن كثير في "تفسيره" ٣/ ٢٨٠ بعد إيراده له: وهذا غريب جدًّا عن ابن عباس. وطعن في صحة هذا الأثر جماعة من العلماء منهم ابن العربي في "أحكام القرآن" ٣/ ١٣٥٩، وابن عطية في "المحرر الوجيز" ١٠/ ٤٧٩، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" ١٢/ ٢١٤، وغيرهم، وبالغ أبو حيان فقال في "البحر" ٦/ ٤٤٥ - ٤٤٦: ومن روى عن ابن عباس أن قوله "تستأنسوا" خطأ أو وهم من الكاتب وأنه قرأ "حتى تستأذنوا" فهو طاعن في الإسلام ملحد في الدين، وابن عباس بريء من هذا القول. اهـ.
وقد بيَّن ابن حجر رحمه الله وجه هذا الأثر الذي صحّحه فقال في "الفتح" ١١/ ٩: وأجيب بأن ابن عباس بناها على قراءته التي تلقَّاها عن أبيّ بن كعب، وأما اتفاق الناس على قراءتها بالسين فلموافقة خط المصحف الذي وقع الاتفاق على عدم =

صفحة رقم 191

وفسر مجاهد (١) والكلبي الاستئناس هنا بالتنحنح والتنخّم وهو نوع من الاستعلام.
وقوله وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [قال ابن عباس وجميع المفسرين. هذا على التقديم والتأخير، حتى تسلّموا على أهلها] (٢) وتستأذنوا (٣). وكذا هو في مصحف عبد الله مستقيم كقوله وَاسْجُدِي وَارْكَعِي [آل عمران: ٤٣] وقد مرّ، وقوله فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: ٢]. والاستئذان شرع (٤) مشروع، فلا يجوز لأحد الدُّمور (٥) في بيت غيره (٦) لأمر الله تعالى

= الخروج عما يوافقه، وكانت قراءة أبيّ من الأحرف التي تركت القراءة بها.. وقال البيهقي: يحتمل أن يكون ذلك في القراءة الأولى ثم نسخت تلاوته، يعني: ولم يطلع ابن عباس على ذلك.
(١) رواه عن مجاهد: الطبري في "تفسيره" ١٨/ ١١١، وابن أبي حاتم ٧/ ٣٢ أ، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٧٢ وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في "شعب الإيمان".
(٢) ساقط من (ظ)، (ع).
(٣) قال الفراء في "معاني القرآن" ٢/ ٢٤٩: حدثني حبّان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس (حتى تستأنسوا) تستأذنوا، قال: هذا مقدّم ومؤخر، إنّما هو حتى تسلموا وتستأذنوا.
وروى سعيد بن منصور في "تفسيره" ١٥٨ ب، والطبري في "تفسيره" ١٨/ ١٧١ عن إبراهيم قال: في مصحف عبد الله (حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا).
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٧١ وزاد نسبته لعبد بن حميد والبيهقي في "شعب الإيمان".
(٤) في (ع): (نوع).
(٥) في (ظ)، (ع): (الدخول).
والدُّمور: الدخول بغير إذن. "لسان العرب" ٤/ ٢٩١ (دمر).
(٦) في (ظ): (بيت أحد غيره).

صفحة رقم 192

بالاستئذان في هذه الآية.
والسنة فيه أن يقول: السلام عليكم أأدخل (١) (٢).
قال قتادة -في هذه الآية- كان يقال: الاستئذان ثلاث مرات، من لم يؤذن له فيهن فليرجع. أما الأولى فيسمع الحي، وأما الثانية فيأخذوا حذرهم، وأما الثالثة فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردّوا، ولا تقعدن (٣) على باب قوم ردّوك عن بابهم؛ فإن للناس حاجات، والله أعلم (٤) بالعذر (٥).
وقد روى أبو موسى، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الاستئذان ثلاثة، فإن أذنوا وإلَّا فارجع" (٦).
قوله: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ قال ابن عباس: أزكى لكم وأعظم لأجوركم.

(١) في (أ): (أدخل).
(٢) روى أبو داود في "سننه" كتاب: الأدب- باب: كيف الاستئذان ١٤/ ٨١، والترمذي في "جامعه" باب: التسليم قبل الاستئذان ٧/ ٤٩٠١ - ٤٩١ من حديث كَلَدة بن حنبل -رضي الله عنه- أن صفوان بن أميه بعثه بلبن ولبأ وضغابيس إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، والنبي -صلى الله عليه وسلم- بأعلى الوادي، قال: فدخلت عليه ولم استأذن ولم أسلم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ارجع فقل: السلام عليكم أأدخل".
قال الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" ٢/ ٤٨١: وإسناده صحيح.
(٣) في (أ): (ولا يفعلن)، وفي (ع): (ولا تقعد)، والمثبت من (ظ)، وابن أبي حاتم.
(٤) عند ابن أبي حاتم: أولى.
(٥) رواه ابن أبي حاتم ٧/ ٣٢ أ، ب، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٧٤ وزاد نسبته لعبد بن حميد والبيهقي في "شعب الإيمان".
(٦) ذكره بهذا اللفظ الثعلبي في "تفسيره" ٣/ ٧٦ ب.
وقد رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: الاستئذان- باب: التسليم والاستئذان ثلاثًا ١١/ ٢٧ ومسلم في "صحيح" كتاب: الآداب- باب: الاستئذان ٣/ ١٦٩٤ بلفظ "إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع".

صفحة رقم 193

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية