تفسير المفردات : جامدة : أي ثابتة في أماكنها، أتقن : أي أحكم، يقال رجل تقن( بكسر التاء وسكون القاف ) أي حاذق بالأشياء.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه ما يدل على كمال علمه وقدرته، وأبان بعدئذ إمكان البعث والحشر والنشر، ثم فصل القول في إعجاز القرآن، ونبه بذلك إلى إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم - أردف ذلك ذكر مقدمات القيامة وما يحدث من الأهوال حين قيامها، فذكر خروج دابة من الأرض تكلم الناس أنهم كانوا لا يؤمنون بآيات ربهم، وأنه حينئذ ينفخ في الصور، فيفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، وأن الجبال تجري وتمر مر السحاب ؛ ثم بين أحوال المكلفين بعد ذلك وجعلهم قسمين : مطيعين يعملون الحسنات فيثابون عليها بما هو خير منها ويأمنون الفزع والخوف ساعتئذ، وعاصين يكبّون في النار على وجوههم ويقال لهم حينئذ هذا جزاء ما كنتم تعملون.
الإيضاح : وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب أي وترى الجبال كأنها ثابتة باقية على ما كانت عليه وهي تزول عن أماكنها وتسير حثيثا كمر السحاب، لأن الأجرام الكبار إذا تحركت في سمت واحد لا تكاد تبين حركتها.
ونحو الآية قوله : يوم تمور السماء مورا( ٩ ) وتسير الجبال سيرا ( الطور : ٩-١٠ )وقوله : ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة ( الكهف : ٤٧ ) وقوله : وسيرت الجبال فكانت سرابا ( النبأ : ٢٠ ) وهذا يقع بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق، فيبدل الله الأرض غير الأرض ويغير هيئتها ويسير الجبال عن مقارها ليشاهدها أهل المحشر، وهي وإن دكت عند النفخة الأولى، فتسييرها إنما يكون لدى النفخة الثانية كما نطق به قوله : فقل ينسفها ربي نسفا ( طه : ١٠٥ ) وقوله يوم تبدل الأرض غير الأرض ( إبراهيم : ٤٨ ).
ثم علل إمكان ذلك وسرعة حصوله بقوله :
صنع الله الذي أتقن كل شيء أي ذلك الصنع العظيم صنع الله الذي أحكم كل شيء وأودع فيه من الحكمة ما أودع.
ثم علل ما تقدم من النفخ في الصور والقيام للحساب ومجازاة العباد على أعمالهم بقوله :
إنه خبير بما تفعلون أي إنه تعالى ذو علم وخبرة بما يفعل عباده من خير وشر، وطاعة ومعصية، وهو مجازيهم على ذلك أتم الجزاء.
تفسير المراغي
المراغي