وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً معطوف على ينفخ . والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكلّ من يصلح للرؤية، و تحسبها جامدة في محل نصب على الحال من ضمير ترى أو من مفعوله ؛ لأن الرؤية بصرية. وقيل : هي بدل من الجملة الأولى، وفيه ضعف، وهذه هي العلامة الثالثة لقيام الساعة، ومعنى تحسبها جامدة أي قائمة ساكنة، وجملة : وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب في محل نصب على الحال : أي وهي تسير سيراً حثيثاً كسير السحاب التي تسيرها الرياح. قال القتيبي : وذلك أن الجبال تجمع وتسير وهي في رؤية العين كالقائمة وهي تسير. قال القشيري : وهذا يوم القيامة، ومثله قوله تعالى : وَسُيّرَتِ الجبال فَكَانَتْ سَرَاباً [ النبأ : ٢٠ ]. قرأ أهل الكوفة تحسبها بفتح السين، وقرأ الباقون بكسرها صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء انتصاب صنع على المصدرية عند الخليل وسيبويه وغيرهما، أي صنع الله ذلك صنعاً، وقيل : هو مصدر مؤكد لقوله : وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور . وقيل منصوب على الإغراء : أي انظروا صنع الله، ومعنى الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء الذي أحكمه، يقال : رجل تقن أي حاذق بالأشياء، وجملة إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ تعليل لما قبلها من كونه سبحانه صنع ما صنع، وأتقن كل شيء، والخبير : المطلع على الظواهر والضمائر. قرأ الجمهور بالتاء الفوقية على الخطاب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بالتحتية على الخبر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا قال :«هي لا إله إلاّ الله» وَمَن جَاء بالسيئة فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار قال :«هي الشرك»، وإذا صحّ هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالمصير إليه في تفسير كلام الله سبحانه متعين، ويحمل على أن المراد قال : لا إله إلاّ الله بحقها، وما يجب لها، فيدخل تحت ذلك كل طاعة، ويشهد له ما أخرجه الحاكم في الكنى عن صفوان بن عسال قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إذا كان يوم القيامة : جاء الإيمان والشرك يجثوان بين يدي الله سبحانه، فيقول الله للإيمان : انطلق أنت وأهلك إلى الجنة، ويقول للشرك : انطلق أنت وأهلك إلى النار». مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا ، يعني قول : لا إله إلاّ الله، وَمَن جَاء بالسيئة يعني الشرك فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار . وأخرج ابن مردويه من حديث أبي هريرة وأنس نحوه مرفوعاً. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : مَن جَاء بالحسنة يعني «شهادة أن لا إله إلاّ الله» فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا يعني بالخير «الجنة» وَمَن جَاء بالسيئة يعني «الشرك» فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار ، وقال :«هذه تنجي، وهذه تردي» وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات، والخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن مسعود مَن جَاء بالحسنة قال : لا إله إلاّ الله. وَمَن جَاء بالسيئة قال : بالشرك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا قال : له منها خير، يعني من جهتها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا قال : ثواب. وأخرج أيضاً عنه أيضاً قال : البلدة : مكة.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني