في الآيات صور للآخرة وهولها ومصائر الناس فيها، وهي متصلة بالسياق السابق واستمرار له كما هو واضح. وعبارتها واضحة. ويلحظ أن الجبال هنا تمر مسرعة كقطع السحاب بينما يظنها الراءون جامدة، في حين أن آيات أخرى ذكرت أنها تتفتت وتكون هباء وأنها تدك دكا وتنسف نسفا وتكون كالعهن المنفوش. ومع ذلك فمن الممكن أن لا تكون هذه الصور متعارضة تطبيقا. وعلى كل حال فبالإضافة إلى وجوب الإيمان بما يرد في القرآن من صور عن الآخرة فإن العبارة هنا كما هي في الأماكن الأخرى هي بسبيل وصف هول يوم القيامة وأنها استهدفت فيما استهدفته التشديد في الإنذار والترهيب.
ولقد أورد المفسرون أحاديث في صدد المستثنى من الفزع في جملة إلاّ من شاء الله يفيد بعضها أنهم كبار الملائكة ويفيد بعضها أنهم الشهداء. ويفيد بعضها أن الفزع هو كفاية عن الموت. والأحاديث لم ترد في كتب الصحاح، وتأويل الفزع بالموت غريب. وفي الآية [ ٨٩ ] ما يفيد بصراحة بأن الاستثناء هو ل من جاء بالحسنة فلا يبقى محل لتأويل آخر. والمتبادر أن الاستثناء استهدف فيما استهدفه بالإضافة إلى الحقيقة الإيمانية بثّ الطمأنينة في قلوب المؤمنين المحسنين وتثبيتهم والحضّ على الإيمان والعمل الصالح. والصورة التي جاءت للكافرين مقابل ذلك قوية رهيبة حيث تكبّ وجوههم في النار، ويسألون سؤالا تقريعيّا عما إذا كان ينالون غير أجزاءهم الحق على أعمالهم الأثيمة والمتبادر أن مما استهدف بذلك إثارة الرعب والفزع في قلوب هؤلاء وأمثالهم ليرتدعوا.
وفي الآيتين الأخيرتين توكيد للتقريرات القرآنية بأن الناس يكتسبون أعمالهم باختيارهم، وأنهم يجزون عليها إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ حقا وعدلا، وأن القرآن يستهدف بذلك فيما يستهدف الحثّ على الأعمال الصالحة والتحذير من الأعمال السيئة.
التفسير الحديث
دروزة