ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: (وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) يقول: صاغرين.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: (وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) قال: صاغرين.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) قال: الداخر: الصاغر الراغم، قال: لأن المرء الذي يفزع إذا فزع إنما همته الهرب من الأمر الذي فزع منه، قال: فلما نُفخ في الصور فزعوا، فلم يكن لهم من الله منجى.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) فقرأته عامة قرّاء الأمصار: "وَكُل آتَوهُ"بمدّ الألف من أتوه على مثال فاعلوه (١) سوى ابن مسعود، فإنه قرأه: "وكُلٌّ أتُوهُ"على مثال فعلوه، واتبعه على القراءة به المتأخرون الأعمش وحمزة، واعتلّ الذين قرءوا ذلك على مثال فاعلوه بإجماع القراء على قوله: (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ) قالوا: فكذلك قوله: "آتَوهُ"في الجمع. وأما الذين قرءوا على قراءة عبد الله، فإنهم ردوه على قوله: (فَفَزِعَ) كأنهم وجَّهوا معنى الكلام إلى: ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض، وأتوه كلهم داخرين، كما يقال في الكلام: رأى وفر وعاد وهو صاغر.
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار، ومتقاربتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
القول في تأويل قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)
يقول تعالى ذكره: (وَتَرَى الْجِبَالَ) يا محمد (تَحْسبَهُا) قائمة (وهي تَمُرُّ).
كالذي حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن
ابن عباس، قوله: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً) يقول: قائمة. وإنما قيل: (وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ) لأنها تجمع ثم تسير، فيحسب رائيها لكثرتها أنها واقفة، وهي تسير سيرا حثيثا، كما قال الجعدي:
| بِأَرْعَنَ مِثْلَ الطَّوْدِ تَحْسِبُ أَنَّهُمْ | وُقُوفٌ لحِاجٍ والرّكابُ تُهَمْلجُ (١) |
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) يقول: أحكم كلّ شيء.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) يقول: أحسن كلّ شيء خلقه وأوثقه.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) قال: أوثق كلّ شيء وسوّى.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: (أتْقَنَ) أوثق.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة: (إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) يقول تعالى ذكره: إن الله ذو علم وخبرة بما يفعل عباده من خير وشرّ وطاعة له ومعصية، وهو مجازي جميعهم على جميع ذلك على الخير الخيرَ، وعلى الشرِّ الشرّ نظيره.
جامع البيان في تأويل آي القرآن
أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري
أحمد شاكر