قوله : وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وهو الماء الذي يستقون منه وهو بئر، ووروده : مجيئه، والوصول إليه، «وَجَدَ عليه » أي : على شفيره ( «أمَّةً » جماعة كثيفة العدد «مِنَ النَّاسِ » مختلفين «يَسْقُونَ » منها مواشيهم )١، وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ أي : سوى الجماعة، وقيل : في مكان أسفل من مكانهم٢.
قوله :«امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ » ف «تذودان » صفة ل «امْرَأَتِيْنِ » لا مفعول ثان، لأَنَّ «وَجَدَ » بمعنى : لقي، والذَّودُ، الطرد٣ والدفع٤، قال :
٣٩٨٥ - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسَيْفِهِ٥ ***. . .
وقيل : حبس٦ : ومفعوله محذوف، أي : يَذُودانِ النَّاسَ عن غَنمهما٧، أو عن مزاحمة الناس٨، وقال٩ الزمخشري : لم ترك المفعول غير مذكور في «يَسْقُونَ » و «تَذُودَانِ » و «لاَ نَسْقِي »، قُلتُ : لأنَّ الغرض هو الفعل لا المفعول، وكذلك قَوْلهُمَا : لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعاء المقصود منه السَّقي لا المَسْقِيّ١٠.
( فصل :
واختلفوا في السبب المقتضي لذلك الحبس، فقال الزجاج : لئلا تختلط أغنامهما١١ بأغنامهم، وقيل : لئلا يختلطن بالرجال، وقيل : كانتا تذودان عن وجوههما نظر الرجال لتسترهما١٢، وقيل : تذودان الناس عن غنمهما١٣، وقال الفراء : يحبسانها لئلا تتفرق وتتسرب١٤، وقيل : تذودان أي : معهما قطيع من الغنم، والقطيع من الغنم يسمى : ذوداً، وكذلك قطيع البقر وقطيع الإبل. قال عليه السلام :«لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذوْدٍ صَدَقَة »١٥ وقال الشاعر :
٣٩٨٦ - ثَلاَثَةُ أَنْفُسٍ، وَثَلاَثُ ذَوْدٍ *** لَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ عَلَى عِيَالِي١٦ ) ١٧
قوله :«مَا خَطْبكُمَا » تقدم في طه١٨، وقال الزمخشري : هنا حقيقته : مَا مخطُوبُكما ؟ أي : ما مطلُوبُكُمَا من الذياد ؟ فسمي المخطُوب خطباً كما سمي المشئُونُ شأْناً في قولك : ما شأنُكَ ؟ يقال : شَأنْتُ شَأْنَهُ، أي : قَصَدْتُ قَصْدَه١٩. وقال ابن عطية : السؤال بالخطب٢٠ إنما هو في مُصَاب أو مُضطهد أو مَنْ يُشْفقُ عليه أو يأتي بمنكر من الأمر٢١.
وقرأ شَمِر٢٢ «خِطْبَكُمَا » بالكسر أي : ما زوجكما ؟ أي : لِمَ تَسْقِيَانِ وَلَمْ يَسْقِ زَوْجُكُمَا ؟ وهي شاذة جداً٢٣.
قوله : حتى يُصْدِرَ الرعاء قرأ أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر بفتح الياء وضم الدال من صَدَرَ يَصْدُرُ وهو قاصر، أي : حتى يرجع الرعاء : أي٢٤ : يرجعون بمواشيهم والباقون٢٥ بضم الياء وكسر الدال مضارع أَصدرَ٢٦ مُعدًّى بالهمزة، والمفعول محذوف، أي : يُصدرُونَ مواشِيهم٢٧، والعامة على كسر الراء٢٨ من «الرِّعَاء »، وهو جمع تكسير غير مقيس لأنَّ فاعلاً الوصف المعتل اللام كقاضٍ قياسه ( فُعَلَة ) نحو قُضَاة ورُمَاة٢٩.
وقال الزمخشري٣٠ : وأما الرِّعَاء بالكسر فقياس كصِيام وقِيام٣١. وليس كما ذكر ( لِمَا ذَكَرْنَاهُ )٣٢. وقرأ أبو عمرو - في رواية٣٣ - بفتح الراء. قال أبو الفضل : هو مصدر أقيم مقام الصفة فلذلك استوى فيه الواحد والجمع أو على حذف مضاف٣٤، وقرئ بضمها٣٥، وهو اسم جمع كرخال٣٦ وثُنَاء٣٧. وقرأ ابن مصرف «لا نُسْقِي » بضم النون٣٨ من أَسْقَى، وتقدم الفرق بين سَقَى وأَسْقَى في النحل٣٩، والمعنى لا نسقي حتى يرجع الرّعاء عن الماء، والرّعاء جمع راع مثل تاجر وتِجَار٤٠، أي : نحن امرأتان لا نطيق أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض، و وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يقدر أن يسقي مواشيه ولذلك احتجنا نحن إلى سقي الغنم٤١.
فصل :
قال مجاهد والضحاك والسدي والحسن : أبوهما ٤٢هو شعيب النبي صلى الله عليه وسلم٤٣. ( وإنه عاش عمراً طويلاً بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام، وتزوج بابنته ). وقال وهب وسعيد بن جبير : هو يثرون ابن أخي شعيب ( وكان شعيب )٤٤ قد مات بعد٤٥ ذلك بعدما كف بصره فدفن بين المقام وزمزم٤٦. وقيل : رجل ممن آمن بشعيب٤٧. قالوا : فلما سمع٤٨ قولهما رحمهما فاقتلع صخرة من رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس٤٩، وقال ابن إسحاق : إنَّ موسى زاحم القوم ونحاهم عن رأس البئر فسقى غنم المرأتين٥٠. وروي أن القوم لمَّا رجعوا بأغنامهم غطوا رأس البئر بحجر لا يرفعه إلا عشر٥١ نفر، فجاء موسى فرفع الحجر وحده، وسقى غنمهما٥٢، ويقال : إنه نزع ذنوباً واحداً ودعا فيه بالبركة فروي منه جميع الغنم٥٣.
٢ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢٣٩..
٣ في ب: الطرف. وهو تحريف..
٤ انظر الكشاف ٣/١٦١..
٥ صدر بيت من بحر الطويل، لم أهتد إلى قائله، وعجزه:
وقال ألا لا من سبيل إلى هند
وقد تقدم..
٦ انظر معاني القرآن للفراء ٢/٣٠٥..
٧ وهو قول قتادة. انظر القرطبي ١٣/٢٦٨..
٨ وهو قول ابن عباس. المرجع السابق..
٩ في الأصل: قال..
١٠ الكشاف ٣/١٦٢..
١١ لم أجد ما قاله الزجاج في معاني القرآن وإعرابه وهو في الفخر الرازي غير منسوب..
١٢ انظر الفخر الرازي ٢٤/٢٣٩..
١٣ وهو قول قتادة. القرطبي ١٣/٢٦٨..
١٤ معاني القرآن ٢/٣٠٥..
١٥ أخرجه البخاري (زكاة) ١/٢٥١، ٢٥٤، ٢٥٩، ومسلم (زكاة) ٢/٦٧٤-٦٧٥..
١٦ البيت من بحر الوافر، قاله الحطيئة، وتقدم تخريجه..
١٧ ما بين القوسين سقط من ب..
١٨ يريد قوله تعالى: قال فما خطبك يا سامري [طه: ٩٥]. ولم يذكر هناك معنى الخطب وإنما ذكره عند قوله تعالى: قال ما خطبكن إذ راودتنّ يوسف عن نفسه [يوسف: ٥١] وذكر هناك: والخطب الأمر والشأن الذي فيه خطر، وهو في الأصل مصدر خطب يخطب وإنما يخطب في الأمور العظام. انظر اللباب ٥/٤٢..
١٩ الكشاف ٣/١٦١..
٢٠ في الأصل: بالخطاب..
٢١ تفسير ابن عطية ١١/٢٨٥..
٢٢ هو شمر بن حمدويه الهروي، أبو عمرو اللغوي، الأديب، اخذ عن الفراء والأصمعي وأبي حاتم وغيرهم، ألف كتاباً كبيراً في اللغة لم ينسخ في حياته ففقد بعد موته إلا يسيراً. بغية الوعاة ٢/٤-٥..
٢٣ انظر البحر المحيط ٧/١١٣..
٢٤ في ب: أو..
٢٥ في ب: والثاني. وهو تحريف..
٢٦ السبعة (٤٩٢)، الكشف ٢/١٧٢-١٧٣، النشر ٢/٣٤١، الإتحاف(٣٤٢)..
٢٧ انظر البيان ٢/٢٣١..
٢٨ الراء: سقط من ب..
٢٩ انظر الأشموني ٤/١٣٢..
٣٠ الزمخشري: سقط من ب..
٣١ أي: جمع صائم وقائم. الكشاف ٣/١٦١. ورد أبو حيان على الزمخشري في هذه المسألة، قال: (وليس بقياس لأنه جمع راع، وقياس (فاعل) الصفة التي للعاقل أن تكسر على (فعلة) كقاض وقضاة، وما سوى جمعه هذا فليس بقياس) البحر المحيط ٧/١١٣، وقد جاء في اللسان ما يوافق قول الزمخشري، قال ابن منظور: (وراعي الماشية حافظها. صفة غالبة غلبة الاسم والجمع رعاة، مثل قاضٍ وقضاة، ورعاء مثل جائع وجياع، ورعيان مثل شابٍّ وشبَّان كسَّروه تكسير الأسماء كحاجر وحجران، لأنها صفة غالبة، وليس في الكلام اسم على فاعل يعتور عليه فعلة وفعال إلا هذا، وقولهم: آسٍ وأساةٌ وإساءٌ) اللسان (رعى)..
٣٢ ما بين القوسين في ب: كما ذكرنا..
٣٣ في رواية عياش. حكاها أبو حيان عن أبي الفضل الرازي. انظر البحر المحيط ٧/١١٣..
٣٤ انظر البحر المحيط ٧/١١٣..
٣٥ انظر المختصر (١١٢)، الكشاف ٣/١٦١..
٣٦ الرِّخال: جمع رخل، الأنثى من أولاد الضأن. اللسان (رخل)..
٣٧ ثناء: جمع ثنية، وهي الناقة التي ولدت بطنين. اللسان (ثنى)..
٣٨ انظر المختصر (١١٢)..
٣٩ عند قوله تعالى: وإنَّ لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم ممَّا في بطونه من الآية (٦٦)..
٤٠ انظر القرطبي ١٣/٢٦٩. وفي ب: وتجار أي تجار..
٤١ انظر البغوي ٦/٣٣٠..
٤٢ في ب: وأبوهما..
٤٣ انظر البغوي ٦/٣٣٠..
٤٤ ما بين القوسين سقط من ب..
٤٥ في ب: قبل..
٤٦ انظر البغوي ٦/٣٣٠..
٤٧ المرجع السابق..
٤٨ في ب: أسمع..
٤٩ انظر البغوي ٦/٣٣٠..
٥٠ المرجع السابق..
٥١ في ب: عشرة..
٥٢ انظر البغوي ٦/٣٣٠..
٥٣ المرجع السابق..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود