عرض القرآن الكريم هذه القصة في إيجاز بليغ، ومع إيجازها فقد أوضحتْ مهمة المرأة في مجتمعها، ودور الرجل بالنسبة للمرأة، والضرورة التي تُلجىء المرأة للخروج للعمل.
معنى وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ [القصص: ٢٣] يعني: جاء عند الماء، ولا يقتضي الورود أن يكون شَرِب منه. والورود بهذا المعنى حلَّ لنا الإشكال في قوله تعالى: وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا [مريم: ٧١] فليس المعنى دخول النار، ومباشرة حَرِّها، إنما ذاهبون إليها، ونراها جميعنا إذن: وردْنا العَيْن. يعني: جئنا عندها ورأيناها، لكن الشرب منها، شيء آخر.
وَجَدَ عَلَيْهِ [القصص: ٢٣] أي: على الماء أُمَّةً [القصص: ٢٣] جماعة يَسْقُونَ [القصص: ٢٣] أي: مواشيهم وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ [القصص: ٢٣] يعني: بعيداً عن الماء امرأتين تَذُودَانِ [القصص: ٢٣] أي: تكفّان الغنم وتمنعانها من الشُّرْب لكثرة
الزحام على الماء قَالَ مَا خَطْبُكُمَا [القصص: ٢٣] أي: ما شأنكما؟
وفي الاستفهام هنا معنى التعجُّب يعني: لماذا تمنعان الغنم أنْ تشربَ، وما أتيتُما إلا للسُّقْيا؟
قَالَتَا لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص: ٢٣].
وقولهما حتى يُصْدِرَ الرعآء [القصص: ٢٣] يعني: ينصرفوا عن الماء، فصدر مقابل ورد، فالآتي للماء: وارد، والمنصرف عنه: صادر: نقول: صدر يَصْدُر أي: بذاته، وأصدر يُصْدر أي: غيره.
فالمعنى: لا نَسْقي حتى يسقي الناس وينصرفوا. و الرعآء [القصص: ٢٣] جمع رَاعٍ. ثم يذكران العلَّة في خروجهما لِسقْي الغنم ومباشرة عمل الرجال وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص: ٢٣].
ثم يقول الحق سبحانه: فسقى لَهُمَا ثُمَّ تولى
تفسير الشعراوي
محمد متولي الشعراوي