ﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺ

وينتقل كتاب الله إلى الحديث عن رحلة موسى من بدايتها إلى نهايتها عندما وافى " ماء مدين " وكان الوقت وقت الهاجرة، ووجد الناس محلقين حول بئرهم التي يسقون منها، إذ هي مورد شربهم وسقيهم، وهم يتناوبون على السقي منها الواحد تلو الآخر، ثم يصبون الماء في الحياض لسقي مواشيهم، وكانوا أهل ماشية، وذلك ما يشير إليه إشارة خاطفة قوله تعالى هنا : ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ، والمراد " بالأمة " هنا جماعة كثيرة العدد من أناس مختلفين، والظاهر أن موسى عليه السلام كان في حالة عطش من تعب الطريق وشدة الحر، فبادر إلى " ماء مدين " لري عطشه وغسل أطرافه. غير أنه لاحظ في نفس الوقت وقوف امرأتين معتزلتين عن الزحام، مكتفيتين بحجز غنمهما عن حياض الماء وعن الاختلاط بأغنام الرعاة الأشداء الأقوياء، في انتظار انتهائهم من سقي مواشيهم وانصرافهم، عسى أن تنالا نصيبهما من الماء الذي يفضل عن الآخرين إن أسعدهما الحظ، وذلك ما يشير إليه كتاب الله هنا في إيجاز وإعجاز إذ يقول : ووجد من دونهم امرأتين تذودان أي تحجزان أغنامهما عن الماء حتى يفرغ الرعاة وتخلو لهما البئر.
واستغرب موسى أن لا يلتفت أحد من ذلك الجمع الكبير من الرجال إليهما، فيأخذ بيدهما، ويسقي لهما ما يروي غنمهما ويزيل عطشهما، كما تقضي بذلك المروءة والرجولة والنجدة، لا سيما وهما المرأتان الوحيدتان من بينهم جميعا، إذ كان رجال مدين هم الذين يقومون بالسقي من دون النساء كما يفهم من السياق، فلم يلبث أن تقدم إليهما سائلا مستفسرا، ولم تلبثا أن عبرتا له في جواب موجز، لكنه جامع مانع، عن حالهما وعن حال كبير أسرتهما الذي بلغ من الكبر عتيا، فأصبح عاجزا عن الحضور، بنفسه لسقي الماء بدلا منهما، وذلك ما يتضمنه قوله تعالى حكاية عنه وعنهما : تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير
ومعنى ما خطبكما أي ما شأنكما الغريب، و " الخطب " هو الأمر الخطير الذي يكثر فيه التخاطب، لكونه غير مقبول ولا مألوف، ولا شك أن الوضع الذي وجد موسى عليه المرأتين، من إهمال الرعاة الرجال لإسعافها، وعدم المبالاة بإعانتها، يعد وضعا غريبا، و " خطبا " عجيبا.
ومعنى حتى يصدر الرعاء أي حتى ينصرف رعاة الغنم بمواشيهم ويرجعوا من وردهم، و " الرعاء " أحد الجموع التي يجمع عليها لفظ الراعي، ومثله الرعاة.

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير