قوله تعالى: مِّن دُونِكُمْ : يجوز أن يكون صفة ل «بِطانة» فيتعلَّقَ بمحذوف، أي: كائنةً من غيركم. وقدَّره الزمخشري: «من غيرِ أبناء جنسكم، وهم المسلمون» ويجوزُ أَنْ يتعلَّق بفعل النهي. وجَوزَّ بعضُهم أن تكون «مِنْ» زائدةً، والمعنى: دونَكم في العمل والإِيمان.
وبِطانة الرجل: خاصَّتُه الذين يُباطِنُهم في الأمور، ولا يُظْهر غيرَهم عليها مشتقةً من البَطْن، والباطنُ: دون الظاهر، وهذا كما استعاروا الشِّعار والدِّثار في ذلك. قال عليه السلام: «الناسُ دِثار والأنصارُ شِعار» والشِّعار
ما يلي جسدك من الثياب. ويقال: «بَطَن فلانٌ بفلان بُطوناً وبِطانة». قال الشاعر:
| ١٣٩٦ - أولئك خُلْصاني نَعَمْ وبِطانتي | وهم عَيْبَتي مِنْ دونِ كلِّ قريب |
واختُلِف في نصب «خَبالا» على أوجهٍ. أحدُها: أنه مفعولٌ ثانٍ. والضميرُ هو الأول، وإنما تَعَدَّى لاثنين للتضمين. قال الزمخشري: «يقال: ألا في الأمر يَأْلُو فيه أي: قَصَّر، ثم استُعْمِل مُعَدَّىً إلى مفعولين في قولهم:» لا آلوك نُصْحاً ولا ألوك جُهْداً «على التضمين، والمعنى: لا أمنعُك نُصْحاً ولا أَنْقُصُكه».
الثاني: أنه منصوبٌ على إسقاط حرفِ الجر، والأصل: لا يألونكم في خَبال أي: في تخبيلكم وهذا غيرُ منقاسٍ، بخلافِ التضمين فإنه منقاسٌ، وإنْ كان فيه خلافٌ واهٍ.
الثالث: أن ينتصبَ على التمييز، وهو حينئذٍ تمييز منقول من المفعولية، والأصلُ: لا يَألون خبالكم أي: في خبالكم: ثم جُعِل الضميرُ المضاف إليه مفعولاً بعد إسقاط الخافض، فنُصِب «الخبال» الذي كان مضافاً تمييزاً، ومثله قولُه تعالى: وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً [القمر: ١٢] أي: «عيون الأرضِ» فَفُعلِ به صفحة رقم 363
ما تقدَّم، ومثلُه في الفاعلية: واشتعل الرأس شَيْباً [مريم: ٤] الأصل: «شيبُ الرأس»، وهذا عند مَنْ يُثْبت كونَ التمييز منقولاً من المفعوليةِ. وقد مَنَعَه بعضُهم، وتأوَّل قولَه تعالى: وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً على أنَّ «عيوناً» بدلُ بعضٍ من كل، وفيه حَذْفُ العائدِ أي: عيوناً منها. وعلى هذا التخريجِ يجوزُ أَنْ يكونَ «خبالاً» بدلَ اشتمال من «كم»، والضميرُ أيضاً محذوفٌ أي: «خبالاً منكم» وهذا وجه رابع.
الخامس: أنه/ مصدرٌ في موضع الحال أي: مُتَخَبِّلين. السادس: قال ابن عطية: معناه: لا يُقَصِّرون لكم فيما فيه من الفسادِ عليكم «، فعلى هذا الذي قَدَّره يكونُ المضمر و» خبالاً «منصوبين على إسقاطِ الخافض وهو اللام و» في «.
وهذه الجملةُ فيها ثلاثةُ أوجه. أحدُها: أنها استئنافيةٌ لا محلَّ لها من الإِعراب، وإنما جيء بها وبالجملِ التي بعدَها لبيانِ حالِ الطائفةِ الكافرة حتى يَنْفِروا منها فلا يتخذوها بِطانةً، وهو وجه حسن.
والثاني: أنها حالٌ من الضمير المستكنِّ في «مِنْ دونكم» على أنَّ الجارَّ صفةٌ ل «بطانة». والثالث: أنها في محلِّ نصبٍ نعتاً ل «بطانة» أيضاً.
والأَلْوُ بزنة «الغَزْو» التقصيرُ كما تقدَّم، قال زهير:
| ١٣٩٧ - سَعَى بعدَهم قومٌ لكي يُدْرِكوهمُ | فلم يَفْعَلوا ولم يُلِيموا ولم يَأْلُوا |
| ١٣٩٨ - وما المرءُ ما دَامَتْ حُشاشَةُ نفسِه | بمُدْرِكِ أَطْرافِ الخطوبِ ولا آلِ |
| ١٣٩٩ -....................... | فما آلَى بَنِيَّ ولا أساؤوا |
| ١٤٠٠ - ألا رُبَّ خصمٍ فيكِ أَلْوى رَدَدْتُه | نصيحٍ على تَعْذالِه غيرُ مُؤْتَلِ |
وقال الراغب: «وأَلَوْتُ فلاناً أي: أوْلَيْتُه تقصيراً نحو: كسبته أي: أوليته كَسْباً وما أَلَوْتُه جُهْداً أي: ما أَوْلَيْتُه تقصيراً بحسَبِ الجُهْد، فقولُك:» جُهْداً «تمييز. وقوله: لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً منه، أي: لا يُقَصِّرون في طلبِ الخَبَال. وقال تعالى: وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل [النور: ٢٢] قيل: هو يفتعل من أَلَوْت، وقيل: هو من آليت أي: حَلَفْتُ. صفحة رقم 365
والخَبالُ: الفسادُ، وأصلُه ما يلحَقُ الحيوانَ من مرضٍ وفتورٍ فيورِثُه فساداً واضطراباً، يقال منه: خَبَله وخَبَّله بالتخفيف والتشديدِ فهو خابلٌ ومُخْبَلٌ ومَخْبول ومُخَبَّل. ويقال: خَبْل وخَبَل وخَبال. وفي الحديث:» مَنْ شرب الخمر ثلاثاً كان حقاً على اللهِ أن يَسْقِيَه من طينه الخَبال «وقال زهير ابن أبي سلمى:
والمعنى في هذا البيت: أنهم ذا طُلِب منهم إفسادُ شيء من إبلِهم أفسدوه، وهذا كنايةٌ عن كرمِهم.١٤٠١ - هنالِكَ إنْ يُسْتَخْبَلوا المالَ يُخْبِلوا وإنْ يَسْأَلوا يُعْطُوا وإنْ يَيْسِروا يُغْلُوا
قوله: وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ في هذه الجملة ثلاثة أوجه، أَوْجَهُها: أن تكونَ مستأنفةً كما هو الظاهرُ فيما قبلها. والثاني: أنها نعتٌ ل» بِطانة «فمحَلُّها نصبٌ. والثالث: أنها حالٌ من الضمير في» يأْلونكم «. و» ما «مصدريةٌ، و» عَنِتُّم «صِلَتُها، وهي وصلتُها مفعولُ الوَدادة أي: عَنَتُكم أي: مَقْتكُم. وقد تقدَّم اشتقاقُ هذه اللفظةِ في البقرةِ عند [قوله] لأَعْنَتَكُمْ [البقرة: ٢٢٠]. وقال الراغب هنا:» المعاندَةُ والمعانَتَهُ يتقاربان، لكنَّ المعاندة هي الممانعة، والمعانتةُ أَنْ يَتَحَرَّى مع الممانَعَةِ المَشَقَّةُ.
قوله: قَدْ بَدَتِ البغضآء هذه الجملةُ كالتي قبلها، وقرأ عبد الله: «بدا» من غيرتاء، لأنَّ الفاعلَ مؤنثٌ مجازي ولأنَّها في معنى البغض. والبغضاء
مصدرٌ كالسَّراء والضَّرَّاء. يقال منه: بَغُض الرجل فهو بغيض كظَرُفَ فهو ظريف.
وقوله: مِنْ أَفْوَاهِهِمْ متعلِّقٌ ب «بَدَتْ» و «مِنْ» لابتداء الغاية. وجَوَّز أبو البقاء أن تكونَ حالاً أي: خارجةً من أفواههم. والأَفْواه: جمعُ فم، وأصلُه: فوه، فلامُه هاء، يَدُلُّ على ذلك جَمْعُه على «أفواه»، وتصغيرُه على «فُوَيْه»، والنسبُ إليه على فَوْهِيّ، وهل وزنُه فَعْل بسكون العين أو فعَل بفتحِها؟. خلافٌ للنحويين، وإذا عَرَفْتَ ذلك فاعلَمْ أنهم حَذَفوا لامَه تخفيفاً فبقي آخرُه حرف علة فأَبْدَلوها ميماً لقُربها منها لأنهما من الشَّفَة، وفي الميم هَوِيٌّ في الفم يضارع المدَّ الذي في الواو، هذا كلُّه إذا أفردوه عن الإِضافةِ، فإنْ أضافوه لم يُبْدِلوا حرفَ العلة كقوله:
| ١٤٠٢ - فُوهٌ كشَقِّ العَصا لأْياً تَبَيَّنُهُ | .......................... |
| ١٤٠٣ - يُصْبحُ ظمآنَ وفي البحرِ فَمُهْ | وخَصَّه الفارسي وجماعةٌ بالضرورةِ، وغيرُهم جَوَّزه سَعَةً، وجَعَل منه |
| ١٤٠٥ -........................ | وما فاهوا به أبداً مُقميمُ |
قوله: وَمَا تُخْفِي يجوزُ أَنْ تكونَ بمعنى الذي والعائدُ محذوفٌ أي: تُخْفيه، فَحُذِف، وأَنْ تكونَ المصدريةَ أي: وإخفاءُ صدروهم، وعلى كِلا التقديرين ف «ما» مبتدأٌ، و «أكبرُ» خبرُه، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ أي: أكبرُ من الذي أَبْدَوه بأفواهِهم. صفحة رقم 368
قوله: إِنْ كُنْتُمْ شرطٌ حُذِفَ جوابُه لدلالةِ ما تقدَّم عليه، أو هو ما تقدَّم عند مَنْ يرى جوازَه.
صفحة رقم 369الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط