الإعذار إليه، (١) من إحباط وَفْر عمله = له ظالمًا، بل الكافرُ هو الظالم نفسه، لإكسابها من معصية الله وخلاف أمره، ما أوردها به نار جهنم، وأصلاها به سعير سقَرَ. (٢)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقروا بما جاءهم به نبيهم من عند ربهم ="لا تتخذوا بطانة من دونكم"، يقول: لا تتخذوا أولياء وأصدقاء لأنفسكم ="من دونكم" يقول: من دون أهل دينكم وملَّتكم، يعني من غير المؤمنين.
* * *
وإنما جعل"البطانة" مثلا لخليل الرجل، فشبهه بما ولي بطنه من ثيابه، لحلوله منه -في اطِّلاعه على أسراره وما يطويه عن أباعده وكثير من أقاربه- محلَّ ما وَلِيَ جَسده من ثيابه.
* * *
فنهى الله المؤمنين به أن يتخذوا من الكفار به أخلاء وأصفياء، ثم عرّفهم ما هم عليه لهم منطوون من الغش والخيانة، وبغيهم إياهم الغوائل، فحذرهم بذلك منهم ومن
(٢) سياق الجملة: "فلم يكن... له ظالما"، وما بينهما فصل للبيان متعلق بقوله: "ظالما" ولكنه مقدم عليه.
مخالَّتهم، (١) فقال تعالى ذكره: "لا يألونكم خبالا"، يعني لا يستطيعونكم شرًّا، من"ألوت آلُو ألوًا"، يقال: "ما ألا فلان كذا"، أي: ما استطاع، كما قال الشاعر: (٢)
| جَهْرَاءُ لا تَأْلُو، إذَا هِيَ أَظْهَرَتْ، | بَصَرًا، وَلا مِنْ عَيْلَةٍ تُغْنِيني (٣) |
* * *
وإنما يعني جل ذكره بقوله:"لا يألونكم خبالا"، البطانةَ التي نهى المؤمنين
(٢) هو أبو العيال الهذلي.
(٣) ديوان الهذليين ٢: ٢٦٣، الحيوان ٣: ٥٣٥، المعاني الكبير: ٦٩٠، اللسان (ألا) (جهر). من شعر جيد في مقارضات بينه وبين بدر بن عامر الهذلي، قال بدر بن عامر أبياتًا، حين بلغه أن ابن أخ لأبي العيال، أنه ضلع مع خصمائه، فانتفى من ذلك وزعم أنه ليس ممن يأتي سوءًا إلى أخيه أبي العيال، فكذبه أبو العيال، فبادر بدر يرده. وكله شعر حسن في معناه. فشبه أبو العيال شعر بدر فيه وفي الثناء عليه بالشاة فقال له:
| أَقْسَمْتَ لا تَنْسَى شَبابَ قَصِيدَةٍ | أبدًا!! فَمَا هذا الَّذِي يُنْسِينِي؟ |
| فَلَسَوْفَ تَنْسَاهَا وَتَعْلَمُ أَنَّها | تَبَعٌ لآبِيَةِ العِصَابِ زَبُونِ |
| وَمَنَحْتَني فَرَضِيتُ زِىَّ مَنِيحَتي | فَإِذَا بِهَا، وَأَبِيكَ، طَيْفُ جُنُونِ |
| فَلَقَد رَمَْقُتك فِي المجَالِسِ كلِّهَا | فَإِذَا، وأنتَ تُعِينُ من يَبْغِيني" |