ثم اعترض بجملة دَلَّت على أنّ الحُكْم في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له، فقال : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أي : بل الأمر كلّه إلي، كما قال : فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [ الرعد : ٤٠ ] وقال لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [ البقرة : ٢٧٢ ]. وقال إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [ القصص : ٥٦ ].
قال محمد بن إسحاق في قوله : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أي : ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم.
ثم ذكر تعالى بقية الأقسام فقال : أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أي : مما هم فيه من الكفر ويهديهم بعد الضلالة أَوْ يُعَذِّبَهُمْ أي : في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم ؛ ولهذا قال : فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ أي : يستحقون ذلك.
وقال البخاري : حدثنا حِبّان بن مُوسى، أخبرنا عبد الله، أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية من الفجر١ اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وفُلانًا " بعد ما يقول :" سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ربنا ولك الحمد " فأنزل الله تعالى٢ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ] ٣ .
وهكذا رواه النسائي، من حديث عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق، كلاهما، عن مَعْمَر٤، به.
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو النَّضْر، حدثنا أبو عقيل - قال أحمد : وهو عبد الله بن عقيل، صالح الحديث ثقة - قال : حدثنا عُمَر بن حمزة، عن سالم، عن أبيه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" اللهم العن فلانا، اللهم العن الحارث بن هِشامِ، اللهم العن سُهَيلَ بنَ عَمْرو، اللهم العن صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ ". فنزلت هذه الآية : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ فَتِيبَ عليهم كلّهم٥.
وقال أحمد : حدثنا أبو معاوية الغَلابي، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا محمد بن عجْلان، عن نافع، عن عبد الله ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو على أربعة قال : فأنزل الله : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ] ٦ قال : وهداهم الله للإسلام٧.
وقال محمد بن عَجْلان، عن نافع، عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على رجال من المشركين يُسَمِّيهم بأسمائهم، حتى أنزل الله : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ الآية.
وقال البخاري أيضًا : حَدّثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سَعْد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيَّب، وأبي سلمة بن٨ عبد الرحمن، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يَدْعو على أحد - أو يدعو لأحد - قَنَتَ بعد الركوع، وربما قال - إذا قال :" سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد - :" اللَّهُمَّ انْجِ الْوَلِيد بن الوليدِ، وسَلَمَة بْنَ هشَامٍ، وعَيَّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَر، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسَنِيِّ يُوسُفَ ". يجهر بذلك، وكان يقول - في بعض صلاته في صلاة الفجر - :" اللهم العن فلانا وفلانا " لأحياء من أحياء العرب، حتى أنزل الله لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ الآية٩.
وقال البخاري : قال حُمَيْد وثابت، عن أنس بن مالك : شُجّ النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحُد، فقال :" كَيْفَ يُفْلِحُ قُوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ ؟ ". فنزلت : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ وقد أسند هذا الحديث الذي عَلَّقه البخاري رحمه الله١٠.
وقال البخاري : في غزوة أُحُد : حدثنا يحيى بن عَبْد الله السلمي، حدثنا عبد الله - أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، حَدّثَني سالم بن عبد الله، عن أبيه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - إذا رفع رأسه من الركوع، في الركعة الأخيرة من الفجر - :" اللهم العن فلانا وفلانا وَفُلانًا " بعد ما يقول :" سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ربنا ولك الحمد ". فأنزل الله : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [ إلى قوله : فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ] ١١.
وعن حنظلة بن أبي سفيان قال : سمعت سالم بن عبد الله قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على صفوانَ بن أمَيّة، وسُهَيل بن عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ]١٢ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ١٣.
هكذا ذكر هذه الزيادة البخاري معلقة مرسلة مسندة متصلة في مسند أحمد متصلة آنفا.
وقال الإمام أحمد : حدثنا هُشَيم، حدثنا حُمَيد، عن أنس، رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كُسرَتْ رَبَاعيتُهُ يومَ أُحدُ، وشُجَّ في جبهته حتى سال الدم على وجهه، فقال :" كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وهو يدعوهم إلى ربهم، عز وجل ". فأنزل الله تعالى : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ
انفرد به مسلم، فرواه١٤ [ عن ]١٥ القعنبي، عن حَمّاد، عن ثابت، عن أنس، فذكره١٦.
وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد، عن مطر، عن قتادة قال : أصيب النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكُسرت رَبَاعيته، وفرق حاجبه، فوقع وعليه درعان والدم يسيل، فمر به سالم مولى أبي حذيفة، فأجلسه ومسح عن وجهه، فأفاق وهو يقول :" كَيْفَ بِقَوْمٍ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ، وهو يدعوهم إلى اللهِ ؟ " فأنزل الله : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ [ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ] ١٧ .
وكذا رواه عبدُ الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، بنحوه، ولم يقل : فأفاق١٨.
٢ في أ: "عز وجل"..
٣ زيادة من جـ، ر، وفي هـ: "الآية"..
٤ صحيح البخاري برقم (٤٠٦٩، ٤٥٥٩، ٧٣٤٦) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠٧٥).
٥ المسند (٢/٩٣)..
٦ زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "إلى آخر الآية"..
٧ المسند (٢/١٠٤)..
٨ في جـ، ر: "عن"..
٩ صحيح البخاري برقم (٤٥٦٠)..
١٠ صحيح البخاري (٧/٣٦٥) "فتح"، وسيأتي حديث حميد موصولا عن أحمد. أما حديث ثابت فقد وصله مسلم برقم (١٧٩١)..
١١ زيادة من جـ، ر، ، وفي هـ: "الآية"..
١٢ في جـ، ر: "إلى قوله"..
١٣ صحيح البخاري برقم (٤٠٦٩)..
١٤ في جـ: "ورواه"..
١٥ زيادة من ر..
١٦ المسند (٣/٩٩) وصحيح مسلم برقم (١٧٩١)..
١٧ زيادة من جـ، ر، أ، و، وفي هـ: "الآية"..
١٨ تفسير الطبري (٧/١٩٧، ١٩٨) وتفسير عبد الرزاق (٢/١٣٥)..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة