ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓ ﱿ

(لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ).

صفحة رقم 1401

وسواء أكان هذا هو السبب في النزول أم لم يكن، فإن الخبر صحيح في ذاته، والآية الكريمة متصلة بما قبلها، وهو اتصال تفسير وتتميم على بعض التخريجات، أو اتصال موضوع على تخريج آخر، إذ إن موضوعها متصل بغزوة أحد كالآيات قبلها، والتخريجان يظهران في تفسير قوله تعالى: (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)، فإن بعض العلماء يعتبرها معطوفة على قوله تعالى في الآية السابقة: (أَوْ يَكْبِتَهُمْ)، ويكون قوله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ) جملة معترضة، والمعنى على هذا: إن النصر من عند الله العزيز الحكيم يعطيه عباده المؤمنين ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم، بأن يخزيهم ويرد كيدهم في نحورهم، أو يتوب عليهم أو يعذبهم، ولكن الأمر في هذا ليس لك، إنما هو لله تعالى، لأنه يتصل بتدبيره سبحانه الكوني، وتقديره الأزلي، وليس لك إلا أن تدبر ما تستطيعه، وتقدر ما يدخل في حسبانك، وتنفيذ ما تكلف بتكليفه وقد رجح هذا التخريج الزمخشري، وقال فيه: (المعنى أن الله مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شيء إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم).
هذا هو التخريج الأول في قوله تعالى: (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهمْ)، وهناك تخريج آخر مؤداه أن الاتصال ليس اتصال عطف بين الآيتين، إنما هو اتصال موضوع فقط، وهذه الآية تكون لأمر جديد في الموضوع، وهو بيان أن هؤلاء منهم من يفلح فيتوب، ومنهم من يصر على الكفر فيعذب، وتكون نصب (أو يتوب) على تقدير (أن) الناصبة، وتكون (أو) بمعنى (حتي) والمعنى: ليس لك من أمرهم شيء فيما يتعلق بمستقبلهم حتى يتوب الله عليهم فتفرح بتوبتهم، أو حتى يصروا فيعذبهم فترى آية الله فيهم وصِدْقَ وعده لأنبيائه، إذ قد وعد، ووعده حق وصدق.
وقيل إن (أو) هنا بمعنى (إلا)، والمعنى: ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح، أو يعذبهم فيذهب غيظ المؤمنين، والمؤدى واحد سواء كانت (أو) بمعنى " حتى " أو " إلا ".

صفحة رقم 1402

وقوله تعالى: (فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) تعليل لعذابهم عند إصرارهم، فالسبب في التعذيب بعد هذا الإصرار أنهم ظالون، لأنهم اعتدوا على المؤمنين ففتنوهم عن دينهم الذي ارتضوا، واعتدوا على النبي - ﷺ - بإيذائه والسخرية منه، واعتدوا مرة ثالثة بقتال المؤمنين، ومحاولة اقتلاع مدينتهم الطاهرة، واعتدوا على الحقائق فموهوها وزيفوها، واعتدوا على أنفسهم فأضلوها وأفسدوها؛ اعتدوا كل هذه الأنواع من الاعتداء فكانوا ظالمين ومستحقين للعذاب، وقد أكد سبحانه وتعالى وصفهم بالظلم بـ " إنَّ " المؤكدة للحكم، وبالجملة الاسمية، وبوصفهم بالظلم كأنه شأن من شئونهم وطبيعة في نفوسهم، إذ لم تهدهم إلى الحق الحجج الدامغة، ولا الآيات البينة ولا القوة الغالبة.
* * *

صفحة رقم 1403

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية