قلت : ليس لك من الأمر شيء : جملة معترضة بين قوله : أو يكبتهم وقوله : أو يتوب عليهم ، أو تكون أو بمعنى إلا ، أي : ليس لك من الأمر شيء، إلا أن يتوب عليهم فتبشرهم، أو يعذبهم فتتشفى فيهم. قاله البيضاوي.
ولما جُرِحَ - عليه الصلاة والسلام - في وجهه، وشُجَّ على قرن حاجبه، وكُسِرَت رباعيته، هَمَّ بالدعاء على الكفار، بل دعا عليهم، فأنزل الله : ليس لك من الأمر شيء ؛ إنما أنت رسول إليهم، مأمور بإنذارهم وجهادهم، وأمرهم بيد مالكم، إن شاء هداهم وإن شاء عذّبهم. وإنما نهاه عن الدعاء عليهم ؛ لعلمه بأن منهم من يُسلم ويجاهد في سبيل الله، وقد كان كذلك ؛ فجُلَّهم أسلموا وجاهدوا، منهم خالد بن الوليد - سيف الله في أرضه.
ثم عطف على قوله : ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم قوله : أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن لم يسلموا، فإنهم ظالمون قد استحقوا العذاب بظلمهم، والأمور كلها بيد الله.
قال القشيري : جرَّده - أي : نبيه صلى الله عليه وسلم لما به عرفه عن كُلِّ غيْرٍ وسبب، حيث أخبره أنه ليس له من الأمر شيء، ثم قال : ويقال : أقامه في وقتٍ مقاماً ؛ رمى بقبضة من التراب، فأصابت جميع الوجوه، وقال : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَ اللَّهَ رَمَى [ الأنفال : ١٧ ]، وقال في وقت آخر : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيء [ آل عِمرَان : ١٢٨ ]. هـ.
يشير إلى أنهما مقامان : نيابة عن الله بالله، ونيابة الله عن عبده، والأول بقاء، والثاني فناء، قاله المحشي. قتل : الأول في مقام البسط، والثاني في مقام القبض، فقد قالوا : إذا بسط فلا فاقة، وإذا قبض فلا طاعة. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي