ﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥ

وقوله : إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ أي : صرفكم عنهم إِذْ تُصْعِدُونَ أي : في الجبل هاربين من أعدائكم.
وقرأ الحسن وقتادة : إِذْ تُصْعِدُونَ أي : في الجبل وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ أي : وأنتم لا تلوون على أحد من الدَّهَش والخوف والرعب وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ أي : وهو قد خلفتموه وراء ظُهوركم يدعوكم إلى تَرْك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرة.
قال السُّدِّي : لما شَدّ المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس :" إليَّ عِبَادَ اللهِ، إليَّ عباد الله ". فذكر١ الله صعودهم على٢ الجبل، ثم ذكر دُعَاء النبي صلى الله عليه وسلم إياهم فقال : إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ .
وكذا قال ابنُ عباس، وقتادة والربيع، وابن زيد.
وقد قال عبد الله بن الزّبَعْري يذكر هزيمة المسلمين يوم أحد في قصيدته - وهو مشرك بعد لم يسلم - التي يقول في أولها :

يا غُرابَ البَيْنِ أسْمَعْتَ فَقُل إنما تَنْطقُ شيئًا قَدْ فُعلْ
إنّ للخير وللشر مَدى وكلا ذلك وجْه وقَبلْ
إلى أن قال :
لَيْتَ أشياخي ببدر شهدوا جَزَعَ الخزرج من وقع الأسَلْ
حين حَكَّت٣ بقُباء بَرْكها٤ واستحر القتل في عبد الأشل
ثم خَفّوا٥ عنْدَ ذَاكُم رُقَّصا رقص الحَفَّان يعلو٦ في الجَبَل
فقتلنا الضعف من أشرافهم وعَدَلنا مَيْل٧ بدر فاعتدَل٨
الحفان : صغار النعم.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أفرد في اثني عشر رجلا من أصحابه، كما قال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زُهَير، حدثنا أبو إسحاق أن البراء بن عازب قال : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلا - عبد الله بن جُبير قال : ووضعهم موضعًا وقال :" إنْ رَأَيْتُمُونَا تَخَطَّفَنَا الطَّيْرُ فَلا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إلَيْكُمْ وَإنْ رَأيْتُمُونَا ظَهَرنَا عَلَى الْعَدُوّ وأوَطأناهُمْ فَلا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرسِلَ إلَيْكُمْ قال : فهزموهم. قال : فأنا والله رأيت النساء يَشْتددن٩ على الجبل، وقد بدت أسْؤُقُهنّ وخَلاخلُهُن رافعات ثيابهُن، فقال أصحاب عبد الله : الغَنِيمة، أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون١٠ ؟ قال عبد الله بن جبير : أنسيتم١١ ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالوا : إنا والله لَنَأتيَن الناس فَلنُصِبيَنَّ من الغنيمة. فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلا فأصابوا منا سبعين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه أصابوا من المشركين يوم بَدْر أربعين ومائة : سبعين أسيرًا وسبعين قتيلا. قال أبو سفيان : أفي القوم محمد ؟ أفي القوم محمد ؟ أفي القوم محمد ؟ - ثلاثا - قال : فنهاهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال : أفي القوم ابن أبي قُحَافة ؟ أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ أفي القوم ابن الخطاب ؟ أفي القوم ابن الخطاب ؟ ثم أقبل على أصحابه فقال : أما هؤلاء فقد قتلوا، قد كُفيتُمُوه. فما ملك عُمَر نفسَه أن قال : كذبتَ والله يا عدو الله، إن الذين عَدَدْتَ لأحياء كلهم، وقد بَقي لك ما يسوؤك. فقال١٢ يوم بيوم بدر، والحرب سِجَال، إنكم ستجدون في القوم مَثُلَةً لم آمر بها ولم تسؤني١٣ ثم أخذ يرتجز، يقول : اعلُ هُبَلْ. اعل هُبَلْ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ألا تُجِيبُوه١٤ ؟ " قالوا : يا رسول الله، ما نقول ؟ قال :" قُولُوا : الله أعلى وأجل ". قال : لنا العُزَّى ولا عزَّى لكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ألا تُجِيبُوهُ ؟ ". قالوا : يا رسول الله، وما نقول ؟ قال :" قُولُوا : اللهُ مَوْلانَا وَلا مَوْلَى لَكُمْ " ١٥.
وقد رواه البخاري من حديث زُهَير بن معاوية مختصرا، ورواه من حديث إسرائيل، عن أبي
إسحاق بأبسط من هذا، كما تقدم. والله أعلم.
وروى البيهقي في دلائل النبوة من حديث عمارة١٦ بن غَزِيَّة، عن أبي الزُّبَير، عن جابر قال : انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار، وطلحة بن عبيد الله وهو يصعد١٧ الجبل، فلقيهم المشركون، فقال :" ألا أحَدٌ لِهَؤُلاءِ ؟ " فقال طلحة : أنا يا رسول الله، فقال :" كمَا أنْتَ يَا طَلْحَةُ ". فقال رجل من الأنصار : فأنا يا رسول الله، فقاتل عنه، وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بقي معه، ثم قُتل الأنصاري فلحقوه فقال :" ألا رجُلٌ لِهؤُلاءِ ؟ " فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قوله، فقال رجل من الأنصار : فأنا يا رسول الله، فقاتل عنه وأصحابه يصعدن، ثم قتل فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الأول فيقول١٨ طلحة : فأنا ١٩ يا رسول الله، فيحبسه، فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال فيأذَنُ له، فيقاتل٢٠ مثل من كان قبله، حتى لم يبق معه إلا طلحة فَغشَوْهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مَنْ لِهَؤلاءِ ؟ " فقال طلحة : أنا. فقاتل مثْل قتال جميع من كان قبله وأصيبت أنامله، فقال : حس، فقال رسول الله :" لوْ قُلْتَ : بِاسْمِ اللهِ، وذَكرت اسْمَ الله، لَرَفَعَتْكَ الملائِكَة والنَّاسُ يَنْظُرونَ إلَيْكَ، حَتَّى تلجَ بِكَ فِي جَوِّ السَّمَاءِ "، ثم صعد٢١ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم مجتمعون٢٢.
وقد روى البخاري، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وَكِيع، عن إسماعيل، عن قَيْس بن أبي حازم قال : رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم - يعني يوم أحد٢٣.
وفي الصحيحين من حديث مُعْتَمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عُثمان النَّهْدِي قال : لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض تلك الأيام، التي قاتل فيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم غَيْرُ طلحةَ بن عبيد الله وسعد، عن حَديثهما٢٤ وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد وثابت عن أنس بن مالك ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رَهِقُوه قال :" مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ - أو : وهو رفيقي في الجنة ؟ " فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضا، فقال :" من يردهم عنا وله الجنة ؟ " فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل. فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه : ما أنْصَفْنَا أصْحَابنا ".
رواه مسلم عن هُدبة بن خالد، عن حماد بن مسلمة٢٥ به نحوه٢٦.
وقال الحسن بن عرفة : حدثنا ابن مروان بن معاوية، عن هاشم بن هاشم الزهري، قال سمعت سعيد بن المسيَّب يقول : سمعت سعد بن أبي وقاص [ رضي الله عنه ]٢٧ يقول : نَثُل لي رسول٢٨ الله صلى الله عليه وسلم كنانته يوم أحد قال :" ارْمِ فِدَاكَ أبِي وأُمِّي ".
وأخرجه البخاري، عن عبد الله بن محمد، عن مروان بن معاوية٢٩.
وقال محمد بن إسحاق٣٠ حدثني صالح بن كيسان، عن بعض آل سعد، عن سعد بن أبي وقاص ؛ أنه رمى يوم أحد دونَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال سعد : فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يناولني النَّبْلَ ويقول :" ارْمِ فِدَاكَ أبِي وأُمِّي " حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصل، فأرمي به.
وثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه، عن جده، عن سعد بن أبي وقاص٣١ قال : رأيت يوم أحد عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وعن يساره رجلين، عليهما ثياب بيض، يقاتلان عنه أشد القتال، ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده، يعني : جبريل وميكائيل عليهما السلام٣٢.
وقال أبو الأسود، عن عروة بن الزبير قال : كان أبَيُّ بن خَلَف، أخو بني جُمَح، قد حلف وهو بمكة لَيَقْتُلَن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بلغتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حَلْفَتُه قال :" بَلْ أنَا أقْتُلُهُ، إنْ شَاءَ الله ". فلما كان يوم أحد أقبل أبَي في الحديد مُقَنَّعا، وهو يقول : لا نَجَوْتُ إن نجا محمد. فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قتْله، فاستقبله مُصْعَب بن عُمَير، أخو بني عبد الدار، يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، فقتل مصعب بن عمير، وأبصر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم تَرْقُوَة أبي بن خلف من فَرْجةَ بين سابغة الدرع والبيضة، وطعنه فيها بحربته، فوقع إلى الأرض عن فرسه، لم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خُوار الثور، فقالوا له : ما أجزعك إنما هو خدش ؟ فذكر لهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنا أقْتُلُ أُبيا ". ثم قال : والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المَجَاز لماتوا أجمعون. فمات إلى النار، فسحقا لأصحاب السعير.
وقد رواه موسى بن عُقْبة في مغازيه، عن الزُّهْري، عن سعيد بن المسيّب بنحوه.
وذكر محمد بن إسحاق قال : لما أسْنِدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب، أدركه أبي بن خَلَفَ وهو يقول : لا نجوتُ إن نجوتَ فقال القوم : يا رسول الله، يَعْطف عليه رجل منا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" دَعُوُه " فلما دنا تناول رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ]٣٣ الحربة من الحارث بن الصِّمَّة، فقال بعض القوم ما ذكر٣٤ لي : فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم منه انتفض بها انتفاضة، تطايرنا عنه تطاير الشّعْر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم فطعنه في عنقه طعنة تدأدَأ منها عن فرسه مرارًا.
وذكر الواقدي، عن يونس بن بُكَير، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمرو بن قتادة، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه نحو ذلك٣٥.
قال الواقدي : كان ابن عمر يقول : مات أبَيّ بن خلف ببطن رَابِغٍ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوى من الليل إذا أنا بنار تتأجّح ٣٦فهبتها، فإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يهيج به العطش، وإذا رجل يقول : لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا أبيّ بن خلف.
وثبت في الصحيحين، من رواية عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن هَمَّام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا بِرَسُولِ اللهِ - وهو حينئذ يشير إلى رباعيته - اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَبِيلِ اللهِ " ٣٧.
ورواه البخاري أيضًا٣٨ من حديث ابن جُرَيج، عن عَمْرو بن دينار، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال : اشتد غضب الله على من قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم، بيده في سبيل الله، اشتد غضب الله على قوم دَمَّوا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال محمد بن إسحاق بن يسار، رحمه الله : أصيبت رَبَاعِي
١ في جـ: "فذكرهم"..
٢ في و: "إلى"..
٣ في أ، و: "حلت"..
٤ في جـ، أ: "تركها"..
٥ في جـ، ر: "حفوا"..
٦ في أ، و: "تعلو"..
٧ في جـ: "قتل"..
٨ السيرة النبوية لابن هشام (٣/١٣٦)..
٩ في أ: "يشتدون"..
١٠ في جـ، ر: "تنظرون"..
١١ في جـ، ر، أ، و: "أفنسيتم"..
١٢ في أ، و: "قال"..
١٣ في جـ: "لم يسوؤني"..
١٤ في جـ، ر: "ألا تجيبونه"..
١٥ المسند (٤/٢٩٣)..
١٦ في جـ: "عمار"..
١٧ في أ، و: "يصعد في"..
١٨ في جـ، ر، أ، و: "ويقول"..
١٩ في أ، و: "أنا"..
٢٠ في أ، و: "فقاتل"..
٢١ في ر، و: "أصعد"..
٢٢ دلائل النبوة (٣/٢٣٦)..
٢٣ صحيح البخاري برقم (٤٠٦٣)..
٢٤ صحيح البخاري برقم (٤٠٦٠) وصحيح مسلم برقم (٢٤١٤)..
٢٥ في جـ، ر: "سلمة"..
٢٦ صحيح مسلم برقم (١٧٨٩)..
٢٧ زيادة من ر، أ، و..
٢٨ في ر: "نثل - قال الحسن بن عرفة: نثل: أي نفض لي رسول الله"..
٢٩ صحيح البخاري برقم (٤٠٥٥)..
٣٠ في: "سعيد"..
٣١ في جـ، ر، أ، و: "إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه"..
٣٢ صحيح البخاري برقم (٤٠٥٤) وصحيح مسلم برقم (٢٣٠٦)..
٣٣ زيادة من جـ، ر، أ، و..
٣٤ في أ، و: "كما ذكر"..
٣٥ سيرة ابن إسحاق (ظاهرية ق ١٧١) برواية محمد بن سلمة..
٣٦ في أ، و: "تأجج لي"..
٣٧ صحيح البخاري برقم (٤٠٧٣) وصحيح مسلم برقم (١٧٩٣)..
٣٨ صحيح البخاري برقم (٤٠٧٤، ٤٠٧٦)..

تفسير القرآن العظيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي

تحقيق

سامي سلامة

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1420
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية