ﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥ

الْإِقْدَامَ عَلَى الْجِهَادِ بَعْدَ الِانْهِزَامِ، وَبَعْدَ أَنْ شَاهَدُوا فِي تِلْكَ الْمَعْرَكَةِ قَتْلَ أَقْرِبَائِهِمْ وَأَحِبَّائِهِمْ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الِابْتِلَاءِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ صَرَفَهُمُ اللَّهُ عَنِ الْكُفَّارِ مَا كَانُوا مُذْنِبِينَ، فَلِمَ قَالَ: وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ.
قُلْنَا: الْآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ذِكْرِ مَنْ كَانَ مَعْذُورًا فِي الِانْصِرَافِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ، وَهُمُ الَّذِينَ بَدَءُوا بِالْهَزِيمَةِ فَمَضَوْا وَعَصَوْا فَقَوْلُهُ: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ رَاجِعٌ إِلَى الْمَعْذُورِينَ، لِأَنَّ الْآيَةَ لَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَى قِسْمَيْنِ وَعَلَى حُكْمَيْنِ رَجَعَ كُلُّ حُكْمٍ إِلَى الْقِسْمِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ [التَّوْبَةِ: ٤٠] وَالْمُرَادُ الَّذِي قَالَ لَهُ: لَا تَحْزَنْ وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ، لِأَنَّهُ كَانَ خَائِفًا قَبْلَ هَذَا الْقَوْلِ، فَلَمَّا سَمِعَ هَذَا سَكَنَ، ثُمَّ قَالَ: وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها [التَّوْبَةِ: ٤٠] وَعَنَى بِذَلِكَ الرَّسُولَ دُونَ أَبِي بَكْرٍ، لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ جَرَى ذِكْرُهُمَا جَمِيعًا، فَهَذَا جُمْلَةُ مَا ذَكَرَهُ الْجِبَائِيُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: مَا ذَكَرَهُ أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ أَنَّهُ تَعَالَى أَزَالَ مَا كَانَ فِي قُلُوبِ الْكُفَّارِ مِنَ الرُّعْبِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عُقُوبَةً مِنْهُ عَلَى عِصْيَانِهِمْ وَفَشَلِهِمْ، ثُمَّ قَالَ: لِيَبْتَلِيَكُمْ أَيْ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ الصَّرْفَ مِحْنَةً عَلَيْكُمْ لِتَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ وَتَرْجِعُوا إِلَيْهِ وَتَسْتَغْفِرُوهُ فِيمَا خَالَفْتُمْ فِيهِ أَمْرَهُ وَمِلْتُمْ فِيهِ إِلَى الْغَنِيمَةِ، ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ عَفَا عَنْهُمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَالَ الْكَعْبِيُّ: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ بِأَنْ لَمْ يَأْمُرْكُمْ بِمُعَاوَدَتِهِمْ مِنْ فَوْرِهِمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ بِكَثْرَةِ الْإِنْعَامِ عَلَيْكُمْ وَالتَّخْفِيفِ عَنْكُمْ، فَهَذَا مَا قِيلَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ: وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ فَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ ذَنْبٍ مِنْهُمْ. قَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَانَ ذَلِكَ الذَّنْبُ مِنَ الصَّغَائِرِ صَحَّ أَنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ عَفَا عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ بَابِ الْكَبَائِرِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِضْمَارِ تَوْبَتِهِمْ لِقِيَامِ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ إِذَا لَمْ يَتُبْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الذَّنْبَ لَا شَكَّ أَنَّهُ كَانَ كَبِيرَةً، لِأَنَّهُمْ خَالَفُوا صَرِيحَ نَصِّ الرَّسُولِ، وَصَارَتْ تِلْكَ الْمُخَالَفَةُ سَبَبًا لِانْهِزَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَتْلِ جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنْ أَكَابِرِهِمْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْكَبَائِرِ وَأَيْضًا: ظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ [الْأَنْفَالِ: ١٦] يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ كَبِيرَةً، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ خَاصٌّ/ فِي بَدْرٍ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَلَا تَفَاوُتَ فِي الْمَقْصُودِ، فَكَانَ التَّخْصِيصُ مُمْتَنِعًا، ثُمَّ إِنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى عَفَا عَنْهُمْ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، لِأَنَّ التَّوْبَةَ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ، فَصَارَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى قَدْ يَعْفُو عَنْ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ، وَأَمَّا دَلِيلُ الْمُعْتَزِلَةِ فِي الْمَنْعِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ نِعَمِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالنَّصْرِ أَوَّلًا، ثُمَّ بِالْعَفْوِ عَنِ الْمُذْنِبِينَ ثَانِيًا. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الذَّنْبَ كَانَ مِنَ الْكَبَائِرِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى سَمَّاهُمُ الْمُؤْمِنِينَ، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ بِخِلَافِ مَا تقوله المعتزلة، والله أعلم.
[سورة آل عمران (٣) : آية ١٥٣]
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ وَلا مَا أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣)
[في قَوْلُهُ تَعَالَى إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ]

صفحة رقم 389

فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: كَأَنَّهُ قَالَ وَعَفَا عَنْكُمْ إِذْ تُصْعِدُونَ، لِأَنَّ عَفْوَهُ عَنْهُمْ لَا بُدَّ وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِأَمْرٍ اقْتَرَفُوهُ، وَذَلِكَ الْأَمْرُ هُوَ مَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: إِذْ تُصْعِدُونَ وَالْمُرَادُ بِهِ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنْ مُفَارَقَةِ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَالْأَخْذِ فِي الْوَادِي كَالْمُنْهَزِمِينَ لَا يَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَثَانِيهَا: التَّقْدِيرُ: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ إِذْ تُصْعِدُونَ. وَثَالِثُهَا: التَّقْدِيرُ: لِيَبْتَلِيَكُمْ إِذْ تُصْعِدُونَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا قَبْلَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: اذْكُرْ إِذْ تُصْعِدُونَ وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : قَرَأَ الْحَسَنُ إِذْ تُصْعِدُونَ فِي الْجَبَلِ، وَقَرَأَ أُبَيٌّ إِذْ تُصْعِدُونَ فِي الواد وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ إِذْ تَصَعَّدُونَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْعَيْنِ، مِنْ تَصَعَّدَ فِي السُّلَّمِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْإِصْعَادُ: الذَّهَابُ فِي الْأَرْضِ وَالْإِبْعَادُ فِيهِ، يُقَالُ صَعِدَ فِي الْجَبَلِ، وَأَصْعَدَ فِي/ الْأَرْضِ، وَيُقَالُ أَصْعَدْنَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ أَبُو مُعَاذٍ النَّحْوِيُّ: كُلُّ شَيْءٍ لَهُ أَسْفَلُ وَأَعْلَى مِثْلَ الْوَادِي وَالنَّهَرِ وَالْأَزِقَّةِ، فَإِنَّكَ تَقُولُ: صَعَّدَ فُلَانٌ يُصَعِّدُ فِي الْوَادِي إِذَا أَخَذَ مِنْ أَسْفَلِهِ إِلَى أَعْلَاهُ، وَأَمَّا مَا ارْتَفَعَ كَالسُّلَّمِ فَإِنَّهُ يُقَالُ صَعِدْتُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ: أَيْ لَا تَلْتَفِتُونَ إِلَى أَحَدٍ مِنْ شَدَّةِ الْهَرَبِ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْمُعَرِّجَ عَلَى الشَّيْءِ يَلْوِي إِلَيْهِ عُنُقَهُ أَوْ عِنَانَ دَابَّتِهِ، فَإِذَا مَضَى وَلَمْ يُعَرِّجْ قِيلَ لَمْ يَلْوِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ اللَّيُّ فِي تَرْكِ التَّعْرِيجِ عَلَى الشَّيْءِ وَتَرْكِ الِالْتِفَاتِ إِلَى الشَّيْءِ، يُقَالُ: فُلَانٌ لَا يَلْوِي عَلَى شَيْءٍ، أَيْ لَا يَعْطِفُ عَلَيْهِ وَلَا يُبَالِي بِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ كَانَ يَقُولُ: «إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَنْ كَرَّ فَلَهُ الْجَنَّةُ» فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَدْعُوهُمْ إِلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهُ، وَلَا يَتَفَرَّقُوا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْمُحَارَبَةِ مَعَ الْعَدُوِّ.
ثُمَّ قَالَ: فِي أُخْراكُمْ أَيْ آخِرِكُمْ، يُقَالُ: جِئْتُ فِي آخِرِ النَّاسِ وَأُخْرَاهُمْ، كَمَا يُقَالُ: فِي أَوَّلِهِمْ وَأُولَاهُمْ، وَيُقَالُ: جَاءَ فُلَانٌ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ، أَيْ آخِرِهِمْ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَدْعُوهُمْ وَهُوَ وَاقِفٌ فِي آخِرِهِمْ، لِأَنَّ الْقَوْمَ بِسَبَبِ الْهَزِيمَةِ قَدْ تَقَدَّمُوهُ.
ثُمَّ قَالَ: فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: لَفْظُ الثَّوَابِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَغْلَبِ إِلَّا فِي الْخَيْرِ، وَيَجُوزُ أَيْضًا اسْتِعْمَالُهُ فِي الشَّرِّ، لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: ثَابَ إِلَيْهِ عَقْلُهُ، أَيْ رَجَعَ إِلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ [الْبَقَرَةِ: ١٢٥] وَالْمَرْأَةُ تُسَمَّى ثَيِّبًا لِأَنَّ الْوَاطِئَ عَائِدٌ إِلَيْهَا، وَأَصْلُ الثَّوَابِ كُلُّ مَا يَعُودُ إِلَى الْفَاعِلِ مِنْ جَزَاءِ فِعْلِهِ سَوَاءٌ كَانَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا، إِلَّا أَنَّهُ بِحَسْبِ الْعُرْفِ اخْتُصَّ لَفْظُ الثَّوَابِ بِالْخَيْرِ، فَإِنْ حَمَلْنَا لَفْظَ الثَّوَابِ هَاهُنَا عَلَى أَصْلِ اللُّغَةِ اسْتَقَامَ الْكَلَامُ، وَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْعُرْفِ كَانَ ذَلِكَ وَارِدًا عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، كَمَا يُقَالُ: تَحِيَّتُكَ الضَّرْبُ، وَعِتَابُكَ السَّيْفُ، أَيْ جَعَلَ الْغَمَّ مَكَانَ مَا يَرْجُونَ مِنَ الثَّوَابِ قَالَ تَعَالَى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [التوبة: ٣٤].

صفحة رقم 390

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: غَمًّا بِغَمٍّ يحتمل أن تكون بمعنى المعارضة، كَمَا يُقَالُ: هَذَا بِهَذَا أَيْ هَذَا عِوَضٌ عَنْ ذَاكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى «مَعَ» وَالتَّقْدِيرُ: أَثَابَهُمْ غَمًّا مَعَ غَمٍّ، أَمَّا عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ فَفِيهِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: وَهُوَ قَوْلُ الزَّجَّاجِ أَنَّكُمْ لَمَّا أَذَقْتُمُ الرَّسُولَ غَمًّا بِسَبَبِ أَنْ عَصَيْتُمْ أَمْرَهُ، فَاللَّهُ تَعَالَى أَذَاقَكُمْ هَذَا الْغَمَّ، وَهُوَ الْغَمُّ الَّذِي حَصَلَ لَهُمْ بِسَبَبِ الِانْهِزَامِ وَقَتْلِ الْأَحْبَابِ، وَالْمَعْنَى جَازَاكُمْ مِنْ ذَلِكَ الْغَمِّ بِهَذَا الْغَمِّ.
الثَّانِي: قَالَ الْحَسَنُ: يُرِيدُ غَمَّ يَوْمِ أُحُدٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِغَمِّ يَوْمِ/ بَدْرٍ لِلْمُشْرِكِينَ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ أَنْ لَا يَبْقَى فِي قَلْبِكُمُ الْتِفَاتٌ إِلَى الدُّنْيَا، فَلَا تَفْرَحُوا بِإِقْبَالِهَا ولا تحزنوا بإدبارها، وهو المعنى بقوله: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ فِي وَاقِعَةِ أُحُدٍ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ [الْحَدِيدِ: ٢٣] فِي وَاقِعَةِ بَدْرٍ، طَعَنَ الْقَاضِي فِي هَذَا الْوَجْهِ وَقَالَ: إِنَّ غَمَّهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ إِنَّمَا كَانَ مِنْ جِهَةِ اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ، وَذَلِكَ كُفْرٌ وَمَعْصِيَةٌ، فَكَيْفَ يُضِيفُهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ؟
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ فِي تَسْلِيطِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نَوْعَ مَصْلَحَةٍ، وَهُوَ أَنْ لَا يَفْرَحُوا بِإِقْبَالِ الدُّنْيَا وَلَا يَحْزَنُوا بِإِدْبَارِهَا، فَلَا يَبْقَى فِي قُلُوبِهِمِ اشْتِغَالٌ بِغَيْرِ اللَّهِ. الثَّالِثُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فَأَثابَكُمْ يَعُودُ لِلرَّسُولِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شُجَّ وَجْهُهُ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَقُتِلَ عَمُّهُ، اغْتَمُّوا لِأَجْلِهِ، وَالرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا رَأَى أَنَّهُمْ عَصَوْا رَبَّهُمْ لِطَلَبِ الْغَنِيمَةِ ثُمَّ بَقُوا مَحْرُومِينَ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَقُتِلَ أَقَارِبُهُمُ اغْتَمَّ لِأَجْلِهِمْ، فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ هُوَ هَذَا، أَمَّا عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: غَمًّا بِغَمٍّ بِمَعْنَى «مَعَ» أَيْ غَمًّا مَعَ غَمٍّ، أَوْ غَمًّا عَلَى غَمٍّ، فَهَذَا جَائِزٌ لِأَنَّ حُرُوفَ الْجَرِّ يُقَامُ بَعْضُهَا مُقَامَ بَعْضٍ، تَقُولُ: مَا زِلْتُ بِهِ حَتَّى فَعَلَ، وَمَا زِلْتُ مَعَهُ حَتَّى فَعَلَ، وَتَقُولُ: نَزَلْتُ بِبَنِي فُلَانٍ، وَعَلَى بَنِي فُلَانٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْغُمُومَ هُنَاكَ كَانَتْ كَثِيرَةً: فأحدها: غَمُّهُمْ بِمَا نَالَهُمْ مِنَ الْعَدُوِّ فِي الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ. وَثَانِيهَا:
غَمُّهُمْ بِمَا لَحِقَ سَائِرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ ذَلِكَ، وَثَالِثُهَا: غَمُّهُمْ بِمَا وَصَلَ إِلَى الرَّسُولِ مِنَ الشَّجَّةِ وَكَسْرِ الرَّبَاعِيَةِ، وَرَابِعُهَا: مَا أُرْجِفَ بِهِ مِنْ قَتْلِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخَامِسُهَا: بِمَا وَقَعَ مِنْهُمْ مَنِ الْمَعْصِيَةِ وَمَا يَخَافُونَ مِنْ عِقَابِهَا، وَسَادِسُهَا: غَمُّهُمْ بِسَبَبِ التَّوْبَةِ الَّتِي صَارَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ إِذَا تَابُوا عَنْ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ لَمْ تَتِمَّ تَوْبَتُهُمْ إِلَّا بِتَرْكِ الْهَزِيمَةِ وَالْعَوْدِ إِلَى الْمُحَارَبَةِ بَعْدَ الِانْهِزَامِ، وَذَلِكَ مِنْ أَشَقِّ الْأَشْيَاءِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ مُنْهَزِمًا يَصِيرُ ضَعِيفَ الْقَلْبِ جَبَانًا، فَإِذَا أُمِرَ بِالْمُعَاوَدَةِ، فَإِنْ فَعَلَ خَافَ الْقَتْلَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ خَافَ الْكُفْرَ أَوْ عِقَابَ الْآخِرَةِ، وَهَذَا الْغَمُّ لَا شَكَّ أَنَّهُ أَعْظَمُ الْغُمُومِ وَالْأَحْزَانِ، وَإِذَا عَرَفْتَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فَسَّرَ هَذِهِ الْآيَةَ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ وَنَحْنُ نَعُدُّهَا:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْغَمَّ الْأَوَّلَ مَا أَصَابَهُمْ عِنْدَ الْفَشَلِ وَالتَّنَازُعِ، وَالْغَمَّ الثَّانِي مَا حَصَلَ عِنْدَ الْهَزِيمَةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْغَمَّ الْأَوَّلَ مَا حَصَلَ بِسَبَبِ فَوْتِ الْغَنَائِمِ، وَالْغَمَّ الثَّانِي مَا حَصَلَ بِسَبَبِ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ اطَّلَعَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ جَمْعًا عَظِيمًا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْغَمَّ الْأَوَّلَ مَا كَانَ عِنْدَ تَوَجُّهِ أَبِي سُفْيَانَ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ وَالْغَمَّ الثَّانِي هُوَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا رَجَعُوا خَافَ الْبَاقُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَنَّهُمْ لَوْ رَجَعُوا لَقَتَلُوا/ الْكُلَّ فَصَارَ هَذَا الْغَمُّ بِحَيْثُ أَذْهَلَهُمْ عَنِ الْغَمِّ الْأَوَّلِ.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْغَمَّ الْأَوَّلَ مَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ بِسَبَبِ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَالْغَمَّ الثَّانِي مَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ بِسَبَبِ الْإِرْجَافِ بِقَتْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي الْآيَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ اخْتَارَهُ الْقَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَعِنْدَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا أراد

صفحة رقم 391

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية