لا يزال كتاب الله يواصل الحديث عن يوم أحد، وما برز فيه من مواقف مختلفة، بل متناقضة أحيانا، تنبئ عن دخائل القوم، وتكشف الستار عما هم عليه من إيمان أو نفاق، ومن إيمان ضعيف أو إيمان قوي.
فهذه فئة تفر من قلب المعركة، دون أن تهتم بمن وراءها، وتلجأ إلى الجبل متحصنة به فوق الصخرة، ولا تستجيب لقائدها الأعلى، إذ لا تلبي نداء الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام، بل تتركه معرضا لأذى المشركين وعدوانهم، وبدلا من أن تتخذه أسوة لها في الصبر والثبات، فتلتف حوله، وتثبت معه إلى النهاية، يدخلها الرعب، ويداخلها الشك في نفس الرسول، هل عصمه الله من المشركين ولا يزال على قيد الحياة، أم تمكن منه الأعداء، وذلك قوله تعالى تأنيبا لهذه الطائفة إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُم فقد أخذ يدعوهم قائلا :( إلي عباد الله. إلي عباد الله ) لكنهم لم يسمعوا ولم يجيبوا.
ثم عقبت الآية على ذلك بقوله تعالى تأديبا لهذه الفئة فَأَثَابَكُم غَمّاً بِغَمٍّ أي فكان جزاء الله لكم أن ضاعف غمومكم، فزادكم غما على غم، والغم الأول غم الهزيمة التي أصابتهم، والغم الثاني غم معاودة المشركين الكرة، للهجوم عليهم في نفس الجبل، بعدما فروا إليه وتحصنوا به، والغم الثالث غم الدعاية الكاذبة التي روجها المشركون بين المسلمين، وفحواها أن الرسول قد قتل في المعركة، مما يدخل في حرب الأعصاب.
ثم نبهت الآية الكريمة إلى أن المؤمن الحق لا ينبغي له أن يحزن على ما فاته من نصر، ولا على ما أصابه من هزيمة، ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم، تثبيتا لأنفسهم، وتطييبا لقلوبهم وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ - لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ .
وجاء بعد ذلك التعقيب بقوله تعالى مخاطبا لهم وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ( ١٥٣ ) أي أنه سبحانه مطلع على أعمالكم، عليم بنواياكم، لا يغيب عنه منها شئ.
وتناولت الآية بالوصف والتحليل حال طائفة من المؤمنين، وأخرى من المنافقين كانت قد اندست في المعركة يوم أحد بينهم وإلى جانبهم، فالطائفة الأولى من بعد انجلاء الغم الطارئ عليها عادت إليها الثقة والطمأنينة، حتى أصابها النعاس وهي مشتملة بسلاحها، مما يدل على مدى السكينة التي أنزلها الله في قلوبها، وذلك قوله تعالى في وصفها ممتنا عليها : ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ على غرار قوله تعالى في سورة الأنفال في قصة بدر إِذ يُغشِيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنهُ .
والطائفة الثانية التي ملأ النفاق قلوبها واندست بين المؤمنين في هذه المعركة لم يراود أعينها النعاس بالمرة، وكيف يراودها النعاس وهي تعيش لحظات كلها قلق وجزع وخوف، وتهيمن عليها الخيالات والأوهام، وظن السوء بالله وبالإسلام، وَارتَابَت قُلُوبُهُم فَهُم فِي رَيبِهِم يَتَرَدَّدُونَ فهي ترى رأي العين أن المشركين قد هزموا المسلمين فعلا في هذه المعركة، وتستوحي نفاقها فلا يوحي إليها إلا أن الساعة الفاصلة والحاسمة بين الشرك والإسلام قد دقت ولات حين مفر، وبأن الإسلام وأهله قد باد وبادوا إلى الأبد، ولم يعد يهم أفراد هذه الطائفة شيء سوى أنفسهم، وذلك قوله تعالى في وصف نفاقها وجبنها وأنانيتها وسوء ظنها بالله وبرسوله وطائفة قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ فيرد الله عليهم بقوله : قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ .
وفي هذا السياق يجدد كتاب الله مرة أخرى بيان الحكمة الإلهية في مثل هذه الهزات، فيقول : وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ على غرار ما سبق في الربع الماضي في قوله تعالى : وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء، وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ إلى آخر الآية.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري