ﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

وإذ قالت طائفةٌ منهم ؛ من المنافقين، وهم عبد الله بن أُبيّ وأصحابه : يا أهلَ يثربَ ، وهم أهل المدينة، لا مقَام لكم أي : لا قرار لكم هنا، ولا مكان تقيمون فيه - وقرأ حفص : بضم الميم - اسم مكان، أو مصدر، فارجعوا من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ؛ هاربين، أو : إلى الكفر، فيمكنكم المقام بها، أو : لا مقام لكم على دين محمد، فارجعوا إلى الشرك وأظهروا الإسلام لتسلموا، ويستأذن فريقٌ منهم النبيَّ أي : بنو حارثة، يقولون إن بيوتنا عورةٌ : ذات عورة، أي : خالية غير حصينة، وهي مما يلي العدو. وأصلها : الخلل. وقرأ ابن عباس ؛ بكسر الواو :( عَوِرَة )، يعني : قصيرة الجدران، فيها خلل. تقول العرب : دار فلان عورة ؛ إذا لم تكن حصينة، وعَوِرَ المكان : إذا بَدا فيه خلل يُخاف منه العدو والسارق، ويجوز أن يكون عَوْرَة : تخفيفَ عَوِرة.
اعتذروا أن بيوتهم عُرضة للعدو والسارق ؛ لأنها غير محصنة، فاستأذنوا ليحصنوها ثم يرجعوا إليه، فأكذبهم الله تعالى بقوله : وما هي بعوْرةٍ ، بل هي حصينة، إن يريدون إلا فراراً من القتل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : وإذ قالت طائفة من شيوخ التربية لأهل الفناء : لا مقام تقفون معه ؛ إذ قد قطعتم المقامات، حين تحققتم بمقام الفناء، فارجعوا إلى البقاء ؛ لتقوموا بآداب العبودية، وتنزلون في المقامات ثم ترحلون عنها، كما تنزل الشمس في بروجها، فكل وقت يبرز فيه ما يقتضي النزول إلى مقامه. فتارة يبرز ما يقتضي التوبة، وتارة ما يقتضي الخوف والهيبة، أي : خوف القطيعة، وتارة ما يقتضي الرجاء والبسط، وتارة ما يقتضي الشكر، وتارة الصبر، وتارة ما يقتضي الرضا والتسليم، وتارة ما يهيج المحبة أو المراقبة أو المشاهدة. وهكذا ينزل في المقامات ويرحل عنها، ولا يقيم في شيء منها. ويستأذن بعض المريدين في الرجوع إلى مقامات الإيمان أو الإسلام، أو شيء من أمور البدايات، يقولون : إن بيوت تلك المقامات لم نُتقنها، بل فيها عورة وخلل، وما هي بعورة، ما يريدون إلا فراراً من ثِقَل أعباء الحضرة. ولو دُخلت بيوت قلوبهم من أقطارها، ثم سئلوا الرجوع إلى الدنيا لأتوها ؛ لأنها قريبةُ عَهْدٍ بتركها، وما تلبّثوا بها إلا زماناً يسيراً، بل يبغتهم الموت، ويندمون، قل متاع الدنيا قليل، والآخرة خير لمَن اتقى.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير