من المنافقين: يعدنا محمدًا (١) أن يفتح (٢) قصور الشام وفارس وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله (٣).
وقال مقاتل: قال معتب: يعدنا محمد قصور اليمن وفارس والروم، ولا يستطيع أحدنا أن يبرز إلى الخلاء، هذا والله هو الغرور (٤).
وقال محمد بن إسحاق عن أشياخه: قال معتب أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن يأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لايقدر يذهب إلى الغائط (٥).
١٣ - قوله تعالى: وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يعني: من المنافقين، قال بعضهم لبعض: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ في عسكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليس لكم به موضع إقامة. قال مقاتل: هم بنو سالم من المنافقين (٦). وقال السدي: يعني عبد الله بن أبي وأصحابه (٧).
وقال ابن عباس: قالت اليهود للمنافقين: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا (٨). قال أبو عبيدة: يثرب اسم أرض المدينة، ومدينة الرسول -عليه السلام-
(٢) في (أ): زيادة: (يعدنا محمدًا قصور اليمن وفارس والروم ولا يستطيع أحدنا أن يبرز إلى [ثم وضع نقط هكذا] أن يفتح قصور الشام وفارس)، وهو خطأ.
(٣) انظر: "تفسير ابن جرير" ٢١/ ١٣٣، وذكره السيوطي في "الدر" ٦/ ٥٧٧ وقال: أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة.
(٤) "تفسير مقاتل" ٨٨ ب.
(٥) انظر "تفسير الطبري" ٢١/ ١٣٣ ونسب القول لقتادة ولمجاهد، وذكر السيوطي في "الدر" ٦/ ٥٧٧، وعزاه لابن أبي حاتم عن قتادة والسدي.
(٦) "تفسير مقاتل" ٨٩ أ.
(٧) انظر: "الكشاف" ٣/ ٢٣٠، "زاد المسير" ٦/ ٣٥٩، "تفسير الماوردي" ٤/ ٣٨١.
(٨) انظر: "تفسير القرطبي" ١٤/ ١٤٨.
في ناصية منها، وأنشد لحسان مما قاله في الجاهلية (١):
| سأهدي لها في كل عام قصيدة | وأقعد مكفيا بيثرب مكرما |
قوله: لَا مُقَامَ لَكُمْ. قال أبو إسحاق: لا مكان لكم تقيمون فيه (٤). والمقام اسم الموضع، يقال: مقام إبراهيم، ومنه قيل للمجلس والمشهد: مقام ومقامة. قال الله تعالى: وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ [الشعراء ٥٨، الدخان: ٢٦]. قال الشاعر:
| فأيي ما وأيك (٥) كان شرًّا | فقيد إلى المقامة لا يراها (٦) |
(٢) أخرج الإمام أحمد في "مسنده" ٤/ ٢٨٥ عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله، هي طابة هي طابة هي طابة" وذكره ابن كثير في "التفسير" ٥/ ٣٤٣، وقال: تفرد به الإمام أحمد، وهو ضعيف.
(٣) نظر: "اللسان" ١/ ٢٣٤ (ثرب).
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ٢١٩.
(٥) في (ب): (ما واك).
(٦) البيت من الوافر، وهو للعباس بن مرداس في "ديوانه" ص ١٤٨، "خزانة الأدب" ٤/ ٣٦٧، "الكتاب" ٢/ ٤٠٢، "لسان العرب" ١٢/ ٥٠٦، "الحجة" ٥/ ٤٧١.
المقامة: بالضمة المجلس وجماعة الناس، والمراد: أعماه الله حتى صار يقاد إلى مجلسه.
وقرأ عاصم: لا مقام لكم بضم الميم (١).
قال الفراء (٢) والزجاج (٣): من ضم الميم كان المعنى: لا إقامة لكم، يقال: أقمت إقامة ومقامًا.
وقال أبو علي: يجوز في قول من ضم الميم أن يكون المعنى: لا موضع إقامة لكم، وهذا أشبه؛ لأنه في معنى من فتح، يقال: لا مقام لكم (٤). والمقام بضم الميم يكون (٥) مصدرًا ويكون اسمًا لموضع الإقامة.
وقوله: فَارْجِعُوا قال المفسرون: أي إلى المدينة، وذلك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون خرجوا عام الخندق حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع والخندق بينه وبين القوم، فقال هؤلاء الذين يثبطون الناس عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ليس لكم هاهنا موضع إقامة؛ لكثرة العدد وغلبة الأحزاب، فارجعوا إلى المدينة (٦).
قوله -عز وجل-: وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ أي: في الرجوع إلى المدينة. قال مقاتل: وهم بنو حارثة وبنو سلمة قالوا للنبي -صلى الله عليه وسلم- إن بيوتنا عورة (٧).
قال الليث: العورة سوأة الإنسان وكل أمر يستحي (٨) منه فهو عورة،
(٢) "معاني القرآن" ٢/ ٣٣٧.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ٢١٩.
(٤) "الحجة" ٥/ ٤٧١.
(٥) في (ب): زيادة: (يكون المعنى لا موضع)، وهو خطأ.
(٦) انظر: "تفسير الطبري" ٢١/ ١٣٥، "تفسير الماوردي" ٤/ ٣٨٢، "مجمع البيان" ٨/ ٥٤٥، "زاد المسير" ٦/ ٣٦٠.
(٧) "تفسير مقاتل" ٨٩ أ.
(٨) في (أ): (يستحق)، وعلق في الهامش: يستحي.
والنساء عورة، والعورة في التفود وفي الحروب: خلل تخوف منه القتل.
قوله: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ: أي ليست بحريزة. ويقال في التذكير (١) والتأنيث والجمع عورة لمصدر (٢). قال الزجاج: يقال: عور المكان يور عورا وعورة فهو عور، وبيوت عورة، وعورة على ضربين فمن سكن كان المعنى: ذات عورة) (٣).
قال الفراء: يقال: أعور منزلك إذا بدت منه عورة، وأعور الفارس اذا كان فيه موضع خلل للضرب، وأنشد:
له الشدة الأولى إذا القرن (٤) أعورا (٥)..
وقال ابن قتيبة: أصل العورة ما ذهب عنه الستر والحفظ، وكأن الرجال ستر وحفظ للبيوت، فإذا ذهبوا عنها أعورت البيوت، تقول العرب: أعور منزلك إذا ذهب سترها وسقط جدارها، وأعور الفارس إذا بدا فيه موضع خلل للضرب والطعن (٦).
قال مجاهد والحسن ومقاتل: قالوا: بيوتنا ضائعة (٧) نخشى عليها
(٢) "تهذيب اللغة" ٣/ ١٧٣ (عار).
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ٢٢٠ مع اختلاف يسير.
(٤) في (ب): (القرآن)، وهو خطأ.
(٥) "معاني القرآن" ٢/ ٣٣٧.
وهذا شطر بيت لم أهتد إلى تمامه وقائله. قال الفراء: أنشدني أبو ثروان، وفي "تهذيب اللغة" ٣/ ١٧٢، و"اللسان" ٤/ ٦١٧ (عور) وقال: إنه في وصف أسد.
(٦) "تفسير غريب القرآن" ص ٣٤٨.
(٧) طمس في (ب).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي