( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما( ( الأحزاب : ٣٥ ).
المعنى الجملي : بعد أن أمر سبحانه نساء نبيه صلى الله عليه وسلم بأشياء ونهاهن عن أخرى، ذكر هنا ما أعد للمسلمين والمسلمات من الأجر والكرامة عنده في الدار الآخرة. روى أحمد عن عبد الرحمن بن شيبة قال :" سمعت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال ؟ قالت : فلم يرعني منه ذات يوم إلا نداؤه على المنبر، وأنا أسرح رأسي فلففت شعري ثم خرجت إلى حجرة من حجرهن فجعلت سمعي عند الجريد فإذا هو يقول على المنبر يا أيها الناس إن الله يقول في كتابه :( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات( -إلى قوله- ( أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما(.
تفسير المفردات :
الإسلام : الانقياد والخضوع لأمر الله، والإيمان : التصديق بما جاء عن الله من أمر ونهي، والقنوت : هو الطاعة في سكون، والصبر : تحمل المشاق على المكاره والعبادات والبعد عن المعاصي، والخشوع : السكون والطمأنينة، أعد الله لهم مغفرة : أي هيأ لهم مغفرة تمحو ذنوبهم، وأجرا عظيما : أي نعيما عند ربهم يوم القيامة.
الإيضاح :
ذكر الله سبحانه الأوصاف التي يستحق بها عباده أن يمحو عنهم زلاتهم ويثيبهم بالنعيم المقيم عنده وهي :
إسلام الظاهر بالانقياد لأحكام الدين في القول والعمل.
إسلام الباطن بالتصديق التام والإذعان لما فرض الدين من الأحكام وهذا هو الإيمان.
القنوت وهو دوام العمل في هدوء وطمأنينة كما قال :( أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه( ( الزمر : ٩ ) وقال :( يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين( ( آل عمران : ٤٣ ).
فالإسلام والانقياد مرتبة تعقبها مرتبة الإذعان والتصديق وينشأ عن مجموعهما القنوت والخشوع.
الصدق في الأقوال والأعمال، وهو علامة الإيمان كما أن الكذب أمارة النفاق، فمن صدق نجا، وفي الحديث :" عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار ".
الصبر على المكاره وتحمل المشاق في أداء العبادات وترك الشهوات.
الخشوع والتواضع لله تعالى بالقلب والجوارح ابتغاء ثوابه وخوفا من عقابه كما جاء في الحديث " اعبد كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".
التصدق بالمال والإحسان إلى المحاويج الذين لا كسب لهم ولا كاسب وقد ثبت في الصحيح " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله... ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " وفي حديث آخر :" والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ".
الصوم فإنه نعم العون على كسر الشهوة كما روى ابن ماجة عن قوله صلى الله عليه وسلم :" والصوم زكاة البدن " أي إنه يزكيه ويطهره من الأخلاط الرديئة طبعا وشرعا، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم :" يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ".
حفظ الفروج عن المحارم والآثام كما جاء في الآية الأخرى :( والذين هم لفروجهم حافظون ٥ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ٦ فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون( ( المؤمنون : ٥-٧ ).
ذكر الله ذكرا كثيرا بالألسنة والقلوب، روي عن مجاهد أنه قال : لا يكتب الرجل من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله تعالى قائما وقاعدا ومضطجعا. وأخرج النسائي وابن ماجة وأبو داود وغيرهم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل فصليا ركعتين كانا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات " : روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :" سبق المفردون "، قالوا وما المفردون ؟ قال :" الذاكرون الله كثيرا والذاكرات ". وروى أحمد عن سهل بن معاذ الجهني عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن رجلا سأله فقال : أي المجاهدين أعظم أجرا يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم :" أكثرهم لله تعالى ذكرا "، قال : فأي الصائمين أكثر أجرا ؟ قال صلى الله عليه وسلم :" أكثرهم لله عز وجل ذكرا "، ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة كل ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أكثرهم لله ذكرا "، فقال أبو بكر لعمر رضي الله عنهما : ذهب الذاكرون بكل خير، فقال صلى الله عليه وسلم :" أجل ".
هؤلاء الذين جمعوا هذه الأوصاف يمحو عنهم ذنوبهم ويؤتيهم الأجر العظيم في جنات النعيم.
تفسير المراغي
المراغي