والتقوى محلها القلب، ولا يحصل منتهاها إلا بانفراد القلب إلى مولاه، كما أبان ذلك بقوله :
مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً
يقول الحق جلّ جلاله : ما جعل اللهُ لرجلِ من قلبين في جوفه ؛ فيؤمن بأحدهما ويكفر بالآخر، أو : يتقي بأحدهما ويعصي بالآخر، أو : يُقبل على الله بأحدهما ويُقبل على الدنيا بالآخر، بل ما للعبد إلا قلب واحد، إن أقبل به على الله ؛ أدبر عمن سواه، وإن أقبل به على الدنيا، أدبر عن الله. قيل : الآية مثل المنافقين، أي : إنه لا يجتمع الكفر والإيمان، وقيل : لا تستقر التقوى ونقض العهد في قلب واحد. وقال ابن عطية : يظهر من الآية، بجملتها، أنها نفي لأشياء كانت العرب تعتقدها في ذلك القوت، وإعلام بحقيقة الأمر فيها، فمنها : أن العرب كانت تقول : الإنسان له قلب يأمره وقلب ينهاه، وكان تَضَادُّ الخواطر يحملها على ذلك. . الخ كلامه.
قال النسفي : والمعنى : أنه تعالى لم يجعل للإنسان قلبين ؛ لأنه لا يخلو : إما أن يفعل بأحدهما مثل ما يفعل بالآخر من أفعال القلوب، فأحدهما فَضْلَةٌ، غير مُحْتاَج إليه، وإما أن يفعل بهذا غير ما يفعل بذلك، فيؤدي إلى اتصاف الجملة بكونه مريداً كارهاً، عالماً ظانا، موقناً شاكا في حالة واحدة. ه.
وكانت العرب تعتقد أيضاً أن المرأة المظاهَرَ منها : أُمًّا، فردّ ذلك بقوله : وما جعل أزواجَكم اللائي تُظاهرون منهن أمهاتِكم أي : ما جمع الزوجية والأمومة في امرأة واحدة ؛ لتضاد أحكامهما ؛ لأن الأم مخدومة، والمرأة خادمة.
وكانت تعتقد أن الدّعي ابن، فردّ عليهم بقوله : وما جعل أدعياكم أبناءكم أي : لم يجعل المُتَبَنَّى من أولاد الناس ابناً لمَن تبناه ؛ لأن البنوة أصالة في النسب، والدعوة إلصاق عارض بالتسمية، لا غير، ولا يجتمع في شيء واحد أن يكون أصيلاً وغير أصيل.
ونزل هذا في " زيد بن حارثة "، وهو رجل من كلب، سُبي صغيراً، فاشتراه حكيم بن حزام، لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له، فطلبه أبوه وعمه، وجاءا بفدائه، فخُيَّر، فاختار رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فاعتقه وتبنّاه. وكانوا يقولون : زيد بن محمد، فلما تزوج النبيُّ صلى الله عليه وسلم زينب ؛ وكانت تحت زيد - على ما يأتي - قال المنافقون : تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى عنه، فأنزل الله هذه الآية.
وقيل : كان المنافقون يقولون : لمحمد قلبان، قلب معكم، وقلب مع أصحابه. وقيل : كان " أبو مَعْمَر " أحفظ العرب، فقيل : ذو القلبين، فأكذب اللهُ قولَهم. والتنكير في رجل، وإدخال " مِن " الاستغراقية على " قلبين "، وذكر الجوف للتأكيد. و " اللائي " : جمع " التي ". وفيها قراءات :" اللاء " ؛ بالهمزة مع المد والقصر، وبالتسهيل، وبالياء، بدلاً من الهمز.
وأصل تظاهرون : تتظاهرون، فأدغم. وقرأ عاصم بالتخفيف ؛ منْ : ظَاَهَر. ومعنى الظهار : أن تقول للزوجة : أنت عليّ كظهر أمي. مأخوذ من الظهر، وتعديته بمن ؛ لتضمنه معنى التجنُّب ؛ لأنه كان طلاقاً في الجاهلية. وهو في الإسلام يقتضي الحرمة حتى يُكفَّر، كما يأتي في المجادلة. والأدعياء : جمع دعي، فقيل : بمعنى مفعول، وهو الذي يُدعى ولداً، وجمعه على أَفْعِلاَء : شاذ ؛ لأن بابه ما كان منه بمعنى فاعل ؛ كتقي وأتقياء، وشقي وأشقياء. ولا يكون في ذلك نحو رَمِيَّ وسَمي، على الشذوذ. وكأنه شبهه بفعيل بمعنى فاعل، فَجُمِعَ جَمْعَهُ.
ذلكم قولُكُم بأفواهكم ؛ إذ إن قولكم للزوجة : أُمًّا، والدعيّ : هو ابن، قول تقولونه بألسنتكم لا حقيقة له، إذ الابن يكون بالولادة، وكذا الأم. واللهُ يقولُ الحقِّ ؛ ما له حقيقة عينية، مطابقة له ظاهراً وباطناً وهو يهدي السبيلَ ؛ سبيل الحق.
وقوله تعالى : وما جعل أزواجكم... الآية، يمكن أن تكون الإشارة فيها إلى أنَّ مَنْ ظاهَرَ الدنيا، وتباعد عنها ؛ لا يحل له أن يرجع، ويتخذّها أُمًّا ؛ في المحبة والخدمة. وقوله تعالى : وما جعل أدعياءكم أبناءكم.. : تشير إلى أنه لا يحل أن يَدَّعِيَ الفقيرُ حالاً، أو مقاماً، ما لم يتحقق به، وليس هو له، أوْ : يَنْسِبَ حِكْمَةً أوْ عِلْماً رفيعاً لنفسه، وهو لغيره، ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله . وقوله : فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين.. : إخوان الدين أوْلَى، وإخوان الطريق أحب وأصفى. قال القشيري : وقرابةُ الدين، في الشكلية، أولى من قرابة النَّسَب، وأنشدوا(١).
وَقَالُوا : قَرِيبٌ مِنْ أبٍ وَعُمُومَةٍ *** فَقُلْتُ : وَإخْوَانُ الصَّفَاءِ الأقارِبُمَنَاسِبُهُمْ شَكْلاً وَعِلْماً وأُلفة وَإنْ بَاعَدَتْنَا فِي الأُصُولِ التَّنَاسُبُ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي